أجمل به من لقاء بعد طول غياب!
شكري بلا ضفاف لوفائكم للأمسية الأدبية "قراءة في أوراق شاعر" ولمتابعتكم الدائمة وتفاعلكم البنّاء واضافاتكم المكملة والمثرية للعمل.
مازال رمضان رغم أفول نجمه يشدنا اليه شدا بأجوائه الروحانية المتميزة لهذا فضلت اختيار قصيدة دينية في مدح رسولنا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه
كما راوح في المعنى بين أغراض كثيرة.
تشدك قصائده الغزلية بطرافتها وقوتها :حمم الجوى، الناسك و الفاتنة، جحيم الجفاء،.قل للبخيلة.. قصائد راااائقه بين شكوى وعتاب ووجد وإصرار
وتغريك مواضيع قصائده المتنوعة:اجتماعية، وجودية، ... فقد شكا مما يستشعره من غربة في وطنه ذكرتنا بغربة التوحيدي :
وغبن سحيق يهدّ ثباتي
أنا العربي المشتت شملي
أنا من أحارب رغم وفاتي
كما بكى فاجعة لبنان: المجد لبيروت
وأنشد مصورا طموح كل عربي:
حتى أرى العربي الكئيب سعيد
وككل انسان حر يؤمن بحق الشعوب في العيش الكريم ويناهض كل أشكال الظلم والقهر نجده ينتصر للقضية الفلسطينية ويناصر حقوق شعبها المشروعة:يا حمام القدس
و لعل أقوى ما نظم من شعر التفعيلة :أ بربكم أين الوطن؟! متسائلا عن مآل الربيع العربي وعن هذه الثورة الموؤودة في المهد وما خلفته من تفريخ للإرهاب واستشراء لأثرياء النكبات وما ولدته من غلاء وضنك. وجاء فيها:
رأس الصنم
وبقت طقوس الشرك في وثنائه
كم من رؤوس قد أينعت من بعده
والحلم ولّى في يدي أمرائه
نحلل في هذه الأمسية قصيدته المائزة "طه رسول الهدى " وهذا نصها :متابعة راااائقه 
طه رسول الهدى
...
طفح الضياء على الظّلام المنكدِ
واستبشرت كل الدنا بالمنجدِ
...
هزم البواطل بالدلائل والهدى
وغزت جيوش الحق عقل الملحدِ
...
ر. رضع الفؤاد حليب عشق محمّد
من صدر أمّ أسلمت للأوحدِ
...
س. سكبت غراما من لدنّ حنانها
فسرى بكلّي سابحا في الأوردِ
...
و.ومقره السامي حشاشة خافقي
وبنور سنّته الرّشيدة أهتدي
...
ل. لحبيبنا عَلَم العلام مكارم
مشهودة مدعومة بشواهدِ
...
ا. الكون أشرق من ضياء نبيّنا
إيوان كسرى هدّم في المولدِ
...
ل. لو لاه ما كانت نجوم في السّما
وتوهّجت من رحم ليل سرمدِ
...
ه. هُبلٌٌ تحطّم من مجرّد ومأة
والبيت أضحى قبلة للسجّد
...
د. دون الخلائق اصطفاه إلهنا
طوبى لروح أغرمت بالأحمدِ
...
ى.أسلمت لله العظيم القادر
وشفاعة المختار أولى مَنْشدي
...
ومنتهاها :وشفاعة المختار* أولى منشدي
والعنوان يحدد غرض القصيدة فهي من المدائح النبوية. ولأن محمدا المصطفى خير الورى فقد سعى شاعرنا للعناية بزخرفة القصيدة وتوشية معانيها فجعلها من شعر التطريز :
"والتطريز لون من الألوان الأدبية الشعرية التي تفنن فيه الشعراء وولع به بعضهم ولعا شديدا وقصدوا به أن يجعل الشاعر الحروف التي في أوائل الأبيات تشكل اسما معينا هو العنوان"
إذا قصيدتنا أشبه بسنفونية في العنوان ضبطت نوتاتها :ط، ه، ر، س، و، ل، ا، ل، ه، د، ى
أحد عشر حرفا ستشكل بدايات الأبيات فيلزم الشاعر نفسه ما لا يلزم تجويدا لمدحه النبي الأكرم وتقربا من ذاته الشريفة
رسول الله خبر
مع اضمار ضمير الشأن:طه هو رسول الله
وفي تعليقه عن اسم الرسول "طه" يشير د. عاطف قاسم المليجي في كتابه* أسماء النبي في القرآن والسنة*
أن القرآن الكريم ذكر هذا الاسم في أول سورة (طه) في قوله تعالى :"طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" طه1-2
ومن معانيه: رجل، انسان أو طاهر أو هاد أو سيّد
وقال بعض المفسرين أن الطاء إشارة أنه طاهر من كل عيب وحرف الهاء إشارة إلى أنه هاد إلى كل خير" مما يفسر استدعاء هذه الصفة في الخبر" رسول الهدى"
وإنما التكرار تغنيا ومدحا في المركب البدلي وأما في العلاقة الخبرية فاعتراف برسالته وشهادة على هديه (بمعنى :أشهد أن طه رسول الهدى)
وأيّا كانت العلاقة النحوية بدلية كانت أو خبرية ففيها ثناء على الرسول الامجد واعتراف بفضله واتباع لهديه
و نصنا من شعر التطريز وقد عرفنا به آنفا به مدح الشاعر المجيد الاستاذ خالد ساسي رسولنا الكريم محمد * وعدد مآثره و أكد على تعلقه به وشوقه اليه مع ذكر معجزاته خاتما برجاء نيل شفاعته
ويراد بالمدائح النبوية التقرب إلى الله تعالى بالثناء على شمائل الرسول نشرا لفضائل الدين ومن أجود القصائد في هذا الباب البردة لكعب
بن زهير حتى أن الرسول لفرط طربه بما جاء فيها خلع بردته على كعب فسميت بالبردة
كما لشاعر الرسول حسان بن ثابت مدائح كثيرة
أعذبها ما جاء فيها
وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرّءا من كل عيب
كأنك قد خلقت كما تشاء
وتعد قصيدة الإمام البوصيري من أشهر المدائح النبوية وتكنى البردة ولكن اسمها :
" الكواكب الدرية في مدح خير البرية"
وقد أسهبنا في هذا الأمر عند تحليل قصيدة :محمد* لأبي مروان السعيدي في المولد النبوي الشريف
*استهلال :البيتان 1-2 صوّر فيهما الشاعر وقع ميلاد النبي الخاتم على كل الكون
*تعبير الشاعر عن محبته للرسول الأكرم و التعلق بسنته:ب3-4-5
*فضائل الرسول ومعجزاته:ب6-7-8-9
*معاني الافتقار لله وطلب شفاعة نبيه ب10-11
طفح الضياء على الظلام المنكد
واستبشرت كل الدّنا بالمنجد
لتسري البشرى في أوصال القصيدة كما الضياء في الكون
وعاضد التقابل الذي بنيت عليه الصورة الشعرية الموسيقى. فاكتمل البهاء الذي غمر الوجود ليعمّ الإشراق احتفاء بالمنجد الذي أخرج البشرية من دياجير الضلالة إلى نور الهداية والايمان.
وفعل (طفح) أوفى تصوير الحدث العظيم حقّه لما في دلالته المعجمية من معنى (امتلأ حتى فاض من جوانبه) فقد غمر الضياء الكون طاردا أذيال الظلام معلنا ميلاد خير الورى المصطفى
هذا الحدث الجلل أحسن الشاعر إخراجه باستخدام الاستعارة :صور تعكس القوة والبأس :جيوش الحق المنتصرة مقابل انهزام جيوش الباطل
و كما تجلّى هذا النور في الكون فقد تغلغل أيضا في العقول ليذعن له كل جبار عنيد ملحد
مهند من سيوف الله مسلول
كما انشد البوصيري مفضلا الرسول صلى الله عليه وسلم على كل المرسلين موظفا معجم النور
يظهرن أنوارها للناس في الظلم
كما أن تتابع الافعال:طفح/ غزا /هزم: قدجعلنا أمام قصة مكتملة فيها أعلى الشاعر من منزلة الرسول فهو الهادي إلى الحق القاهر لأعدائه وفي *ذلك تمهيد للمقطع الثاني:
من صدر أم أسلمت للأوحد
سكبت غراما من لدنّ حنانها
فسرى بكلّي سابحا في الأورد
فما حب النبي الا ثمرة لرسالته ولعظيم تضحياته ولرحمته وحبه لأمته ولتنشئة أم أخلصت المحبة وبيئةقامت على عشق النبي فسرى حب طه في النفوس سريان الدم في العروق اعترافا وحبا وتقربا لله بأفضل خلقه
ومتى خلص الحب ارتقى البيان حتى بات آسرا
وبقدر مكانة المحبوب يكون التفنن والابداع
وبنور سنته الرشيدة أهتدي
هذه المحبة مقرها القلب وتصدقها الأفعال باتباع سنته الرشيدة ولأن هذا القسم خاص باظهار التعلق والمحبة والعشق فقد انعكس ذلك في بناء الصورة الشعرية التي انبنت على المجاز البديع اذ شبه محبة الرسول التي تغذي الروح بحليب الأم صفاء ونقاء وتعلقا
وقد أثر المعنى في المعجم المستخدم :عشق/غراما/حشاشة خافقي هو عشق روحي يتنافس فيه الاخيار وتنجذب اليه النفوس النقية الورعة المخلصة لقد مازج هذا الحب الأرواح حتى غدا ملهما بأجمل الأشعار من ذلك قول ابن جابر الأندلسي:
بطيبة انزل ويمم سيّد الأمم
وانشر له المدح وانثر أطيب الكلم
و قول الشافعي:
خير النبيين لم يقرن به أحد
وهكذا الشمس لم تقرن بها الشهب
*وككل مدحية عدد الشاعر معجزات الرسول ومناقبه التي تجعل محبته تسكن القلوب وتذعن لها العقول :
مشهودة مدعومة بشواهد
ايوان كسرى هدم في المولد
وتوهجت من رحم ليل سرمد
والبيت أضحى قبلة للسّجد
و هذا القسم قار في المدائح وفيه اشادة بشمائل رسولنا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه وذكر
الخوارق التي رافقت مولده:
*خروج نور أضاءت له جزيرة العرب تقول السيدة آمنة أم الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك:"خرج مني نور أضاء له كل شيء" وانشد في ذلك أمير الشعراء احمد شوقي قائلا:
وفم الزمان تبسم وثناء
يوم يتيه على الزمان صباحه
ومساؤه بمحمّد وضّاء
و أنشد البوصيري :
أضاءت بضوئها الأرجاء
_ومن البشائر تصدع ايوان كسرى ملك الفرس فقد انكسر وسقطت منه اربع عشرة شرفة.
_كما تساقطت الاصنام في الكعبة على وجوهها إشارة لظهور البشير المنقذ. ونجد البوصيري يذكر ذلك في قوله:
آية منك ما تداعى البناء
غير انه من الجدير الإشارة أن مدائح المتصوفة على جلال قدرها ورقة حاشيتها الا انها سقطت أحيانا في الغلوّ في مدح الرسول واجد أثرا لذلك في البيت الثامن في قصيدتنا قيد التحليل :
لولاه ما كانت نجوم في السما
وتوهجت من رحم ليل سرمد
لكأنه رجع صدى لقول ابن نباتة المصري:
لولاه ما كان أرض ولا أفق
ولا زمان ولا خلق ولا جيل
هذا الغلو الذي يآخذ به المتصوفة في المناجاة الإلهية أيضا حتى ألغزوا وابهموا
*القسم الرابع فيه ثناء على الرسول بأسمائه وصفاته إذ هو المصطفى الأحمد المختار ليقدم الشاعر بعد ذلك آيات التضرع لله الأوحد ويؤكد الافتقار لمنه وفضله ويتقرب بنبيه احمد عساه ينال الشفاعة المنشودة:
وشفاعة المختار أولى منشدي
وعلى الجملة فالقصيدة جدّ رائقة كيف لا وهي في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم وبه تتعطر الحروف ويتجمل النظم وكان لاختيار بحر الكامل ذي الإيقاع الرتيب ملاءمة مع المعنى و وقعا جميلا على السامع فالشعر ينظم لينشد ويسمع
على أنه من الضروري الإشارة لخلل بالوزن في عجز البيت السابع لتلافيه
ختاما كل التحايا العامرة بالمودة والتقدير لشاعر الخضراء ليتوهج حرفك ويتلألأ مع النجوم لقد سمت بنا حروفك عاليا دام تميزك
ولزهرة جامعتنا مودتي وتقديري لدعمها الدائم وتثمينها لكل جهد ولكل عمل جادّ
نجلاء المزي
.jpg)

