سيكولوجيا الجرح المبدع: حين تكون الكتابة مرآة الألم الخفي..
- "إذا لم تكن لديك رغبة في القراءة،فأنت لم تحصل على الكتاب الصحيح"(ج.ك.رولينغ)
- "إن دور الكاتب لا يخلو من المهام الصعبة.ولا يستطيع أن يضع نفسه اليوم في خدمة أولئك الذين يصنعون التاريخ،فهو في خدمة أولئك الذين يعانون من التاريخ."(ألبير كامو)
أنا أتألمُ بينما أنتم تمدحون كتاباتي"-بهذه العبارة الموجعة يكشف فرانز كافكا عن المفارقة العميقة التي يعيشها الكاتب الحقيقي: أن يكون الألم مصدر إبداعه،بينما يراه الآخرون مجرد نصوص تثير الإعجاب.وقبله،اعترف فيودور دوستويفسكي بأن ما يدفعه إلى الكتابة ليس طلب المديح،بل حاجة داخلية قاهرة لاستخراج ما تنطوي عليه نفسه من عيوب ووضائع،وكأن الكتابة عنده أشبه بتطهير روحي لا يتم إلا بالاعتراف العلني بالهزائم الخفية.أما ج.ك.رولينغ فقدمت للقراء نصيحة تبدو بريئة لكنها تحمل في طياتها دعوة صارمة للكتّاب: "إذا لم تكن لديك رغبة في القراءة،فأنت لم تحصل على الكتاب الصحيح"-أي على الكتّاب أن يكونوا على قدر كاف من الفهم لبواطن النفس البشرية،ليقدموا للقارئ ما ينتظره دون أن يدري. لكن ثمَّة ما هو أعمق من كل هذا: سنظل نكتب بحضور الفكر والضمير معا،وسنظل على استعداد للشهادة من أجل ما نعتقد أنه الحق.وحتى لو حُرِمنا من حق الشهادة ذاتها،واحتُكِرَت لغيرنا "بطولة الرأي الواحد" التي لن نقبلها أبدا،فسنكتب بأظفارنا على جدران المقابر إن لم نجد غيرها.
الكتابة،في حقيقتها،ليست حرفة يمارسها الكاتب كما يمارس النجار مهنته.إنها تسكنه،فتغدو وجوده الذي يتحرك به،وكيانه الذي يتماهى معه.ويظل الكاتب مفتونا بها،مهووسا بها،حتى حين يظن أنه ابتعد عنها.وعندما يباغته شغفه ويمد يده إلى القلم،يجد متعة ولذة لا يُحسُّ بهما سواه،لا لأن ما يكتبه مجرد كلمات،بل لأنه جزء منه: متصل بذاته الإنسانية،بعواطفه المبعثرة،بجراحه التي لا تلتئم. فالكتابة بالنسبة إليه ليست وسيلة لمحاكاة الواقع فحسب،بل هي الغاية ذاتها.وثمة قوة دفينة، محرك غير مرئي،يدفعه نحو هذا البحر اللانهائي: هو الشغف،والحب،والهوس.غير أن الكاتب البارع لا يكتفي بهذا الهوس،إنه يحرص على مراعاة الجانب الجمالي في كتاباته.وهذا الجانب لا يتحقق إلا بمجموعة من العناصر،في مقدمتها الفكرة الهادفة.فالنص،مهما أوتِرَت ألفاظه وجُمِّلت صوره،لا يمكنه أن يخطف قلب القارئ إلا إذا حمل فكرة تستحق العناء.والكاتب الحقيقي هو الذي يتناول تلك الأفكار العميقة ويعرضها في يسر وسلاسة،لأن الفكرة هي العمود الفقري الذي إن غاب،تداعى النص وصار مصيره الهجر والنسيان.
وهنا تتكاثر الأسئلة،كما تنبت الأعشاب على حواف طريق ممطر: أنكتب لأنفسنا أم للآخرين؟ أندافع بكتاباتنا عن بؤس العالم وبؤس الوطن،أم أن الأمر برمته لا يعدو أن يكون تسريبات لمعركة النفس الداخلية التي لا تنتهي؟ أيستحق العالم من الأساس أن يُفني أحدهم عمره كله من أجله؟ أيستحق العالم كتابات ماركيز وبن نبي ودوستويفسكي وبيجوفيتش وكامو وكونديرا؟ هل قرأ العالم،ولو صفحة واحدة،مما كتبوه بعقل واع متدبر،يبحث عن الحقيقة والتغيير؟ ولماذا نكتب من الأصل،إذا كان وقع الواقع ووطأته أكبر من كل كلماتنا؟ وماذا تستطيع اللغة أن تفعل أمام سيل الحياة اليومية الجارف،الذي لا ينتهي إلا بنهايتنا؟!
ربما يكون دوستويفسكي قد أجاب عن بعض هذه الأسئلة قبل أكثر من قرن ونصف.فهو لم يكتب طلبا للشهرة ولا التماسا للإعجاب،بل كانت الكتابة عنده حاجة داخلية ملحّة،وسيلة لاستخراج ما يختلج في أعماقه من عيوب ووضائع،ومن ثم تطهيرها.والكتابة،في هذا المعنى،أشبه باعتراف لا يُدوَّن للآخرين بقدر ما يُدوَّن لخلاص صاحبه. وقبله بستة عقود،كتب ألبير كامو: "إن دور الكاتب لا يخلو من المهام الصعبة.ولا يستطيع أن يضع نفسه اليوم في خدمة أولئك الذين يصنعون التاريخ،فهو في خدمة أولئك الذين يعانون من التاريخ." لذلك ليست الكتابة عند كامو مواساة لحظية أو شخصية،بل هي مواساة للتاريخ نفسه -تاريخ المهمشين والضعفاء.وتصير الكتابة هنا صوتا لمن لا صوت له،صوتا لأولئك الذين عانوا من سويداء قلوبهم ولم يسمع بهم أحد.إنها،بهذا التصور،ترجمان المنسيين،ضحايا التاريخ الذي لا يحترم إلا الأقوياء.
وهنا يطرح سؤال آخر،لطالما شغل المبدعين والنقاد،وقد صاغه الدالاي لاما في محاضرته بجامعة إيموري عام 2010: "هل على الإنسان أن يكون حزينا أو مرهقا أو محبطا كي يترجم معاناته على شكل إبداع معين؟ أم أن السعادة هي التي تعطي الطاقة اللازمة للإبداع؟"
ويُروى عنه،كما تنقل الكاتبة شارون سالزبرغ، قوله: "الناس في الغرب يميلون عموما للاعتقاد بأن الإبداع يتولد من العذاب،في حين تسود اعتقادات مخالفة في الشرق حول علاقة الفن العظيم بدرجة التوازن والوعي داخل الإنسان." هذا التمايز العميق بين رؤيتين للعالم يفسر الكثير. فهناك من يتشبثون بالتعاسة والمعاناة،معتقدين أنها ميزة تتيح لهم الإبداع،وأن السعادة مجرد إحساس ممل لا يحفز على الإنتاج.وفي المقابل، هناك من يرون أن السعادة والراحة هما مصدر الطاقة والعطاء،فالإحباط-في نظرهم-لا يترك مجالا لأي تغيير حقيقي.لكن بين هذا وذاك،ثمَّة حالة ثالثة: حين تولد الكتابة من رحم الألم.يرى بعض النقاد أن الكتابة،في جوهرها،تراجيدية لا تميزها عن تراجيديا صاحبها شيء.خاصة إذا نظرنا إلى طبيعة شخصية الكاتب ومزاجه وفلسفته في الحياة.فالكتابة تصير مرادفة للألم،مادامت تطابق شخصية مؤلفها بكل ما يسكنها من قلق وجودي، ورفض،وتمرد،وتوق إلى المغامرة والمخاطرة- حتى بالنفس.والنموذج الأوضح في تقديري هو أبو العلاء المعري،ذلك الأعمى الذي يصعب على الدارس أن يميز بين سيرة شخصه وسيرة قصيدته.وتبدو "داليته" في رثاء أبي حمزة أكثر تعبيرا عن شخصيته وسوء ظنه بالإنسان والحياة: "غيرُ مجدٍ في ملّتي واعتقادي / نوحُ باكٍ ولا ترنُّمُ شادِ / وشبيهٌ صوتُ النعيّ إذا قيس / بصوتِ البشير في كلِّ نادِ / أبكتِ تلكمُ الحمامةُ أم غنَّت / على فرعِ غصنِها الميّادِ؟"
إنها رؤية سوداوية،لكنها صادقة في تعبيرها عن روح شاعر عاش في زمن متعفن،فلم يجد مندوحة عن العزلة والمرارة.
ولعل ما يضفي عمقا إضافيا على هذه التأملات هو أن الكاتب،حين يكتب من موقع الألم،لا يكتب فقط ليعبّر عن جرحه الشخصي،بل ليصبح مرآة تعكس جراح مجتمع كامل.إنه يمنح القراء ليس ما يريدون سماعه،بل ما يحتاجون إلى مواجهته. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: القارئ يبحث عن المتعة والهروب،بينما الكاتب الحقيقي يقدم له المواجهة والقلق.إنهما يتنازعان رغبتين متعارضتين،لكنهما في النهاية يلتقيان على أرضية مشتركة هي الحقيقة.فالكاتب الذي يخاف من إزعاج قارئه،أو يسعى فقط لإرضائه،سيظل أسيرا للسطحي والتكرار.أما الكاتب الذي يجرؤ على قول ما يؤلم،حتى لو أدار القارئ ظهره له في البداية، فهو وحده القادر على ترك بصمة لا تمحى.وكأن الكتابة الحقيقية لا تُقرأ مرّة واحدة،بل تعود إليها كما تعود إلى جرح قديم تظن أنه اندمل،لتكتشف أنه لا يزال ينزف.!
لكن هذا التصور-القائل بأن المعاناة هي المحرك الأساسي للكتابة-لا يعني أبدا أنها السبب الوحيد. فللكتابة أسباب مختلفة،وللكتاب هيئات وأحوال شتى: منهم من يكتب في الفرح،ومنهم من يكتب على صوت الموسيقى،ومنهم من لا يستطيع الكتابة إلا في عزلة تامة وصمت مطبق.لكن ما أريد أن أقرره هنا هو أن تلك الكتابة التي تنبع من رحم المعاناة هي الأجدر بالبقاء.إنها الأجدر بأن يتلقاها القارئ بقلبه قبل أن يعيها بعقله.لأنها تحمل في طياتها صدقا لا يُصنع،وجرحا لا يتكلف.وربما ليس من قبيل المصادفة أن الكتّاب هم أكثر الناس عرضة للاكتئاب.فالكاتب يعيش القصة ثلاث مرات: لحظة التفكير فيها،وأثناء كتابتها،وأثناء مراجعتها.إنه يلجأ إلى الكتابة ليفرغ ما يحزنه، غير أن لا شيء يحزنه سوى الكتابة نفسها. فيستمر في نهجها،كأنه يداوي الداء بالداء.
لكن يبقى السؤال: هل يصل المرء إلى حالة الإبداع الحقيقية دون توافر الظروف الذاتية والموضوعية؟!
ربما لا.غير أن التاريخ الأدبي يخبرنا أن أعظم ما كُتب لم يولد في ظل الاستقرار والرفاهية،بل في ظل الاضطراب،والفقد،والألم الذي يبحث عن لغة تليق به.وكأن الكلمات،لكي تبلغ العمق المطلوب، تحتاج أن تُروى بالدمع قبل الحبر.فكل كاتب حقيقي هو في النهاية جريح يعلم الآخرين كيف يندملون من خلال جرحه المكشوف.وكل قارئ يبحث عن كتابه الحقيقي إنما يبحث في الحقيقة عن مرآة تعكس وجعا يظنه وحيدا.وهكذا تظل الكتابة أعظم عزاء للإنسان: لأنها تجعل من الألم الفردي لغة جماعية،ومن الصمت الداخلي حوارا لا ينتهي.
وهكذا تظل الكتابة ذلك السرّ الأبدي: جرح يفضح جرحه ليلتئم،وصمت يهتك صمته ليُسمع.كل كلمة تُكتب من رحم الألم ليست سوى امتداد لروح تعلم أن الشفاء الحقيقي لا يكون في نسيان الجرح،بل في تحويله إلى نور يضيء دروب الآخرين.وفي النهاية،نحن لا نكتب لأننا نملك الجواب، بل لأن السؤال نفسه هو ما يبقينا أحياء.!