السبت، 2 مايو 2026

فنجان الغياب بقلم الأديبة التونسية القديرة مريم مريم // صالون الأدب الراقي للشاعر خالد الساسي

 فنجانُ الغياب

أضعُ الغيابَ على الطاولة
كما لو أنّه فنجانٌ لم يبرد بعد،
أُديره بين أصابعي
وأتأمّل ما تركهُ الرحيلُ
من دوائرَ صغيرةٍ
على خشب القلب.
لا أحد هنا
سوى هذا المساءِ
الذي يجلس قبالتي
ويحدّقُ في وجهي
كأنّه يعرفُ اسمَ الحزن
الذي أخفيه
في جيبِ صوتي.
كلُّ شيءٍ يمرُّ بطيئًا:
الساعةُ،
ظلُّ الستارة،
وصدى خطاك
الذي ما زال يتسكّعُ
في ممرّ الذاكرة
كعابرٍ أضاع عنوانه.
أرفعُ فنجانَ الغياب
إلى شفتيّ،
فأرتشفُ منك
ما تبقّى:
نبرةً من ضحكتك،
دفئًا عالقًا
في حافةِ الكلام،
ووعدًا قديمًا
انكسرَ بهدوء
دون أن يُحدثَ جلبة.
أحيانًا
أحدّثُ الكرسيَّ المقابل،
أعاتبُه لأنّه ما زال يحتفظُ
بهيئتك،
وأغارُ من النافذة
لأنّها رأتك
آخرَ مرّة
ولم تخبرني
إلى أيِّ جهةٍ
مضى قلبك.
في الليل،
حين يخفُّ ضجيجُ العالم،
أسمعُ الغيابَ بوضوح:
ليس له صوتٌ،
لكنّه يشبهُ
انطفاءَ نجمةٍ
في مكانٍ بعيد،
إو سقوطَ وردةٍ
من كتابٍ قديم
دون أن ينتبهَ أحد.
وهكذا
أبقى مع فنجاني،
أُقلّبُ ما ترسّبَ في قاعه
من أسئلة،
وأقرأُ مستقبلي
في مرارةِ ما لم يحدث.
ثم أبتسمُ
تعبًا،
وأتركُ آخرَ رشفةٍ
لعلّك تعودُ ذاتَ مساءٍ
وتعرفُ
كم شربتُ وحدي
منك.
مريم مريم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق