السبت، 11 أبريل 2020

الهدية بقلم الاديب والشاعر القدير جمال الطرودي

----- الهديّة-----
ورد على عسبورة من إحدى شركات التكنولوجيا المتطوّرة في صناعة الرّوبوتات عرض لإنسالة حديثة سمّوها"سامنتا" على اسم ساحرة جميلة كانت بطلة مسلسل تلفزيوني مشهور في السبعينات. لا يمكن تمييزها من شبيهتها البشرية، تقوم بكل الأعمال و تلبّي الرّغبات ، بسعر مغر.
اتّكأ و تمرفق على مخدّة . وضع الجوّال جانبا و أخذ رشفة طويلة من الشاي وسأل جهيزة مازحا عن رأيها في الموضوع.
فردّت:
- احشم ها راجل! هلاّ الحصرة في الدّار خلاّتك تضبّع؟
لم يتوقف وواصل كأنّه لم يسمعها معللا بأنّ "سامنتا" ليست زوجة ثانية يعاقب عليها القانون. و لن تكون ضرّة لها بما أنها ليست من الإنس، بل سوف تريحها كما أراحتها الثلاجة و الغسّالة.
- وقيلة الغبّة عن القهوة و الشّراب تعمل في الرّجال. ما عندكم حتى حاجة أخرى في روسكم وين تقعدوا مع مرا! برّه ، برّه أخرج خلّي تضربك الكورونا، ثمّاش ما يرجعلك عقلك!
لمّا سمع كلمة الكورونا تمسّك بها، و كأنّه لم يسمع كلمة غيرها، مبرزا تأثيرها على العلاقة بينهما . و كيف أنّ "سامنتا" سوف تخرجهما من تحت رحمة كورونا التى منعت عنهما حتى قُبلة عابرة. كورونا زوجة كوفيد التاسع العاشر هذا الجبّار الذي شطر سرير النوم الفسيح إلى سريرين ضيّقين تفصل بينهما بيداء و أرجعهما إلى عصور ما قبل الزّواج.
تماسكت جهيزة أعصابها و ردّت عليه بعد أن فاض بها الكأس :
- سامنتا! سامنتا!حتى أنا، لعلمك، جاني عرض كيفك .هاو صفة الفحل السيبرنيّ! و أشارت بحركة بيديها. يفصّل منك أربعة، واش قولك ، هه !؟
بلع عسبورة ريقه و حاول تغيير الموضوع :
- ألم تشتاقي يا عزيزتي إلى جولة في شوارع المدينة؟ قد سمعت أنّ الحظر سيرفع عن قريب. سوف آخذك إلى أكبر مساحة تبضّع في المدينة و سوف أشتري لك فولارة ههههه.
نظرت إليه جهيزة من تحت أنفها ثمّ أعطته بظهرها.
أحسّ عسبورة بالألم الذي سبّبه لها. بعد هذا العمر من التّضحيات المشتركة. يفكّر أن يعوضها بإنسالة! و ماهي الإنسالة؟ ما هي إلّا آلة . قد تكون الممارسة معها ربّما ألذّ، و مع هذا لن ترقى إلى الممارسة الطبيعية ، الحقيقية. هي ممارسة اصطناعية، إذ لا يمكن للانسالة أن تبادله الشعور مهما ظهر على وجهها من تقاسيم و افتعلت من ارهاصات . هذا الشعور بالفرح لفرحه و الألم لتألّمه و هذا القلق المتواصل الذي لا ينقطع بحيث لا يمكنه قطع تفكيره فيها لمّا تغيب عنه. فهو يحسّ و كأنّ جسده قد انفصل منه و ما هو الّا طيف بلا روح ، هائم على وجه هذه الأرض التي أصبحت ركنا في مقهى افتراضي.
جعل يتودّد لها و هو يعلم انّه لن يجدي نفعا معها . فلن ترضيها إلّا هدية معتبرة يعلم ما هي. لقد لمّحت إليها في عديد المرّات أثناء حديثها و كان في كل مرّة يتظاهر بالسّذاجة حتى لا تتمسّك و تنكّد.
حاول ملاطفتها لكنه كان كمن يخاطب تمثال الحرّية لا يظفر سوى ببرودة المعدن و صمت الصّخور.
لو كان يستطيع الخروج الآن لخرج ولأحضر الهديّة و لو بسلفة من البنك. كيف الخروج و دورّية الشّرطة عند رأس النهج في انتظار من يطلّ برأسه؟ إن راوغ أعوان الأمن فكيف ينجو من نار التّنين النّانويّ الذي يطير فوق البلاد، متربّصا بكل متهوّر يقوده حتفه إلى مغادرة منزله. هو تنّين أصغر من أصغر كائن حيّ معروف، لا يقاس بالمتر أو بالملّيمتر، فقيسه بالميكرون أو أدنى، بالنّانو الذي يمثل جزءا من مليار جزء من المتر.
تظاهر عسبورة بالخروج إلى حديقة المنزل ليدخّن سيجارة، وهو يعلم أن عين جهيزة عليه، و أذنها تحسب خطواته .رادارات تتبّع موقعه بالضّبط و تكشف في كلّ لحظة عمّا يفعل، و حتى فيما يفكر.
علّق جبّته و كبّوسه على حبل الغسيل بحيث ينعكس الظّل على جدار الصّالة يحمله ضوء الشمس المتسلّل عبر النّافذة و يلاعبه النّسيم فيظهر كأنّ هو هو . ثمّ تسلّل إلى المرآب حيث المئزر الواقي من الفيروس و الأقنعة و الكمامات في خزانة للطّوارئ. كان يسير على رؤوس أصابعه . فتح باب المرآب و لم ينس وصفة طبّية حديثة أخذها من المكتب ليتجاوز الدّوريّة، تفقّدها ثمّ دسّها في جيبه .
لم يشغّل المحرّك بل كانت خطّته أن يدفع السيارة الى الخارج، و يشغّلها عندما يبلغ المعبّد و يبتعد عن المنزل. لقد كانت تفتح له الباب باسمة قبل أن يضع المفتاح. فيسألها هل كانت بانتظاره؟ فتجيبه انها تميّز رنين محرّك سيارته من بين الف سيارة كما تميّز دقّات قلبه و تقلّب انفاسه.
لمّا وصل أنف السيارة إلى الباب و لم يتجاوز، أوقفه صوت منبعث من المقعد الخلفيّ:
- لوين ها حنّاني؟
أحسّ و كأنّ سطلا من الماء البارد صُبّ على رأسه و علم أن الكذب حبله قصير. فصارحها:
-كنت أنوي إحضار الهديّة اللّي مرجتيني بها لعلّاش ترضي.
لم يسمع جوابا و ساد صمت طويل في السيارة، خُيّل إليه و كأنّ كسوفا قد عمّ المكان. إلتفت فإذا الدموع تنهمر من عيني جهيزة:
- أنتَ هديّتي يا مشوم! أنت عندي أغلى من ألف شكارة سميد !
- ألف آكا هو !؟
- ماااليون !
- مْلِييِين بركة ااا !
- هيّا فك عاد، و تعال هنا بحذايا!!!
- لحظة! نسكّر الباب، و ها ني جاي، يا أحلى غُنّاية !!!
---( جمال الطرودي / تونس)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق