فجر المجاهدين
نادي الخامسة صباحًا… الذي لا يُخبرونكم عنه
تمريرةٌ واحدةٌ بإصبعي و ينبثقُ وجهٌ لامع
كإعلانٍ مُصقولٍ بعناية
يبيعك نسخةً محسّنةً من الحياة
بضغطة زر
يجلسُ في شرفةٍ معلّقةٍ فوق العالم
بين بالي و دبي
يرتدي قميصًا من الكتان
كأنه لا يعرف معنى الغبار
ويقول بثقةٍ مدروسة
“استيقظ في الخامسة…هناك يكمن السر”
لكنني أعرف هذا النادي…
ليس من الصور، بل من الأرض
هو ليس ضوءًا ذهبيًا في نافذة فندق
بل مصابيح شاحبة ترمش في طرقٍ نائمة
وأجسادٌ تتنقّل بين التعب والتعب
دون محطة راحة
أعرفه في مخابزٍ تفتح قبل الليل
في مصانع لا تعرف الفجر إلا كرقمٍ في جدول
في محطات وقودٍ يقف فيها الوقت بلا معنى
وفي أرصفةٍ تتعلم الصبر أكثر من البشر
أعرفه في أيدي النساء
اللواتي ينهضن قبل أن ينهض الضوء
يُشعلن يومًا كاملًا بجسدٍ أنهكه التكرار
وفي عيون الأطفال
الذين يرون آباءهم يعودون متأخرين
كأنهم غرباء في بيوتهم.
هؤلاء لا “يحتضنون الألم”
كما تُقال الجملة في مقاطع التحفيز
بل يتعاملون معه كجزءٍ من الجلد
كشيءٍ لا يُنزع إلا بنزع الحياة نفسها
يقولون لك:
“اصنع نجاحك من تعبك”
لكنهم لا يقولون
إن التعب هنا ليس طريقًا
بل نظامًا كاملًا
لا يسمح لك حتى بأن تتوقف
لتسأل لماذا تتعب
الإرهاقُ هنا ليس وسامًا
بل لغة يومية
تُكتب بها التفاصيل الصغيرة
دون أن يلاحظها أحد
والسقوط
ليس لحظة تأمل
بل بداية حذفٍ صامت
كأنك لم تكن
إلا مؤقتًا في سجلّ العمل
الإيجابية التي تُباع لنا
تشبه مرآةً مكسورة
تعكس نصف الحقيقة فقط
وتطلب منك أن تبتسم للنصف الآخر المفقود
كن ممتنًا يقولون
وأنت تحاول أن تفهم كيف يمكن للإمتنان
أن يُطلب من يدٍ لا تزال تحمل وجع يومها الأول
أطفأت الهاتف
لم أعد أريد هذا الضوء الصاخب
الذي يشرح لي حياتي بصوتٍ لا يشبهني
خرجت إلى الشارع
الفجر هنا ليس فكرة
بل مادةٌ ثقيلة في الهواء تلتصق بالوجه قبل أن تُرى
المدينة تتثاءب ...
لكن هناك من لم ينام أصلًا
من لم يدخل الليل حتى يخرج منه
أسمع عجلاتٍ مبكرة، خطواتٍ سريعة
أبوابًا تُفتح بلا احتفال كأن الحياة تبدأ دائمًا
من المنتصف لا من البداية
في جيبي فاتورةٌ جديدة
وفي رأسي قائمةٌ لا تنتهي
وفي ظهري أثرُ يومٍ لم ينتهِ بعد
أتساءل بصوتٍ لا يُقال
هل النجاح فعلًا أن تستيقظ باكرًا
أم أن البقاء هو المعجزة الحقيقية
التي لا يصفق لها أحد
أمشي…
بين من يبيعون الحلم و من يستهلكونه
دون أن يروه
ويستمر الفجر كأنه لا يعرف أنه يثقل على البعض
أكثر مما يضيء لهم
وفي النهاية… لا أحد يسأل من الذي استيقظ ليعش،
ومن الذي استيقظ ليُستنزف فقط

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق