نقطة من أول السطر:-
لم تكن البداية يومًا واضحة كما نتخيل…
بل تأتي أحيانًا كإحساسٍ خفيف لا نعرف كيف نُسميه،كأن شيئًا خفيًا يضعنا أمام أنفسنا دون أي مقدمات.
فهناك لحظات، لا تأتي حين ننتظرها، ولا تنتهي حين نغلق أعيننا،
وكأنها تتسلل من فراغٍ خفيّ،وتجلس بهدوء داخلنا دون أن ننتبه متى دخلت أصلًا.
فلم أكن أبحث عن نصٍّ جديد،ولا عن بداية تُشبه الحكايات،
بل كنت فقط أحاول أن أقلل من الأفكار الموجودة بداخلي،
تلك التي تحدث حين لا نقول شيئًا.
فالورقة حينها لم تكن تنتظرني…
بل كنت أنا من يحتاج أن أقتنع بأن هناك سطرًا يمكن أن يبدأ من جديد دون أن يشبه ما قبله.
ثم قمت بوضع نقطة من أول السطر،وفي تلك اللحظة لم يتغير الورق،ولكن شيئًا بداخلي انزاح قليلًا،وكأن التوازن القديم لم يعد صالحًا.
وبدا الأمر بسيطًا لدرجة الارتباك،ولكن البساطة أحيانًا تكون شكلًا آخر من العمق الذي لا نفهمه فورًا.
فالورقة التي أمامي لم تكن فارغة تمامًا،بل كانت ممتلئة بأثر ما لم يُكتب بعد،وكأن الكلمات موجودة بالفعل… ولكنها تنتظر أن أسمح لها بالظهور.
فهذه المرة لم أكتب بسرعة،لأنني كنت أستمع… ليس للورق، بل لنفسي،فشعرت بالمعنى أكثر من كتابته،وكأن كل جملة تحتاج أن تمرّ على شيءٍ في داخلي قبل أن يُسمح لها بالمرور.
وفكل مرة أحاول فيها أن أكتب،أشعر أن الكلمات تتأخر ثم تقترب ثم تتراجع،كأنها تختبر إن كنت مستعدة لرؤيتها بهذا الشكل.
وأحيانًا أشعر أنني لا أكتب،بل أُعيد ترتيب شيءٍ قديم في داخلي بصيغة جديدة،شيء لا يبدأ من الورقة، بل من نقطة لا أستطيع تحديد مكانها.
فالنقطة من أول السطر لم تعد مجرد علامة،بل صارت مركزًا خفيًا يدور حوله كل شيء،أقترب منه فأشعر أنني أبتعد عن نفسي قليلًا،وأبتعد فأراه أوضح.
وأحيانًا أخرى لا أكون أنا من يكتب،بل أنا من يُعاد ترتيبه بهدوء داخل الجمل،دون أن ألاحظ متى بدأ ذلك.
ثم أدركتُ شيئًا غريبًا…
أن ما أكتبه ليس ترتيب أفكار،بل محاولة لفهم لماذا بدأتُ من الأساس،وكأن البداية ليست على الورق، بل في مكانٍ أقدم مني.
وفي النهاية…
أغلقتُ الدفتر بهدوء، لكن السطر الذي بداخلي لم يُغلق ،
بل بقي مفتوحًا كنافذة صغيرة يدخل منها ضوءٌ خفيف.
ومنذ تلك اللحظة لم أعد أبحث عن نهاية تُريحني،بل عن لحظة أصدق فيها أن ما بدأته هنا لم يكن مجرد كتابة…
بل خطوة صغيرة نحو نفسي.
وبأن خلف كل هذا الغموض،كان هناك نورٌ خافتٌ جدًا…
يكفي ليجعلني أرى أنني، رغم كل شيء،ما زلتُ قادرة على أن أبدأ من جديد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق