سيكولوجيا الجاحد المبدع-بين الندم المقموع والنرجسية الهشة..!
لم تكن البدايات مجرد كلماتٍ عارية على هامش النسيان:
في البدء،كان الحرف يتعرى في صمت،يرتجف في زوايا المجلات التي لا يقرؤها أحد،وعلى هوامش مواقع إلكترونية لا تمر بها إلا أرواح عابرة.هناك، حيث لا تُرصد الأنظار،كنتُ أنا.لا بصفة "ناقدٍ" يهب ألقاب العبقرية بسخاء،ولا كـ"صحفي" يلهث خلف المتابعين والإعجابات.بل كإنسان آمن أن الإبداع الحقيقي يولد مشوها،ضعيفا،ويحتاج إلى أياد دافئة تلملم أشلاءه في عتمته الأولى.
من هناك،من ذلك الممر الخلفي للثقافة،تناولتُ قصائدهم التي كانت تتلعثم كطفل يخوض مغامرة المشي لأول مرة.حللتُ قصصهم التي بدت كأشباح رمادية تبحث عن جسد تستقر فيه.ولم أكن ناشرا أمينا فقط-بل كنتُ حفارا في متونهم،أستخرج جواهر لم يعرفوا هم أنهم يملكونها.!
نشرتُ نصوصهم في كبريات الصحف العربية، وفي أرقى المنصات الثقافية التي لم يجرؤوا حتى على حلم عتباتها.
وتدريجيا،استقامت ظلالهم الإبداعية.لمعت أسماؤهم في سماء المهرجانات،وأقيمت عنهم حلقات النقاش،وكُتبت بحقهم شهادات التقدير. صار الحرف الذي كان يرتجف،يخطب الآن على منابر المجد.وتحول الظلُ الشاحب إلى جسد مكتمل،يتباهى به النقاد.
لكن المفارقة الأكثر قسوة لم تأت بعد.فالجحود ليس نسيانا،بل اغتيالاً رمزيا..! لأنهم حين امتلأت جعبتهم بالجوائز والتصفيق،نسوا من ملأها.وحين استقامت ظلالهم،أنكروا الشمس التي سلطت الضوء عليهم.ولم يقف الأمر عند حد الجحود الصامت-وهو أهون الشرور-بل تجرأ أحدهم،في تدوينة بائسة،متواضعة الحرف،كئيبة الروح،على ذكر اسمي مجردا من صفتي،خاليا من قيمي، مختزلا إلى هامش عابر. "فلان" من غير "ناقد"، من غير "كاتب صحفي معترف به دوليا".كأنما يحاول أن يسرق مني الأدوات التي صنعتُ بها نجوميتهم،ليجعل من اسمي حجرا صغيرا في رصيف سيرته الذاتية المريضة.!
هذا ليس جحودا عابرا.بل هو نمطٌ سيكولوجي مرعب.فالشخصية المبدعة المتعثرة-أحيانا وليس دائما-تختزن في أعماقها عقدة خفية: الخوف من أن يظل فضل الغير معلقا على صدرها كوسام ثقيل لا يُنزع.فتحاول أن تقتل المعروف بأن تنكر صاحبه،أو تجرده من قيمته،أو تحوله إلى مجرد "إشارة عابرة" في هامش تدوينتها البائسة.!
إنها جريمة قتل رمزية للداعم،حتى لا يبقى أحد يشهد أنهم كانوا يوما متعثرين،عاريين،يحتاجون إلى من يمسح عنهم غبار الإهمال.
-سيكولوجيا الجاحد المبدع-بين الندم المقموع والنرجسية الهشة:
والأكثر إيلاما في هذه الظاهرة أن الجاحد المبدع يعيش في وهمٍ مضاعف: فهو من ناحية،يشعر بأن اعترافه بفضل غيره ينتقص من أصالته وعبقريته الفريدة.ومن ناحية أخرى،يظن أن محو أثر من صنعه سيجعل إنجازه أكثر نقاء ونسبية إليه وحده.لكن الحقيقة المرة أن هذا السلوك يكشف عن هشاشة وجودية عميقة.فالمبدع الحقيقي لا يخاف من الاعتراف بمن سبقه أو من سانده،لأن إبداعه وليد ثقة لا وليد قلق.أما الجاحد،فهو مثل شجرة قطعت جذورها لتتباهى بفروعها-سرعان ما تذبل وتتهاوى.وهنا تكمن المفارقة الأعظم: الجحود ليس أزمة أخلاقية فقط،بل هو أزمة إبداعية بامتياز.لأن من يقطع صلته بمن زرعه،يقطع صلته بلحظة الضعف التي كانت مهد قوته الحقيقية. وبدون تلك اللحظة،يصبح إبداعه مجرد بهرجة سطحية،لا جذور لها في عمق التجربة الإنسانية. إنهم ينسون أن أعظم ما في الإبداع ليس الكمال، بل الرحلة من العثرة إلى النهوض.ومن ينكر عثرته الأولى،ينكر جوهر إبداعه نفسه.
لهذا،وبنوع من الأسى الذي يليق بهذا المشهد الثقافي المحزن،أعلنها اليوم: لن أريق حبرا بعد اليوم على من لا مبادئ لهم.سأعود إلى دراساتي البحثية المعمقة،وإلى معالجاتي الفكرية والاستراتيجية.إلى النقد الحقيقي الذي لا يبحث عن أصدقاء،بل عن حقيقة.وسأكتب لمن يستحق، وأنقُدُ لمن يفهم،وأضيء لمن لا يخاف من الضوء.
أما أنتم-يا ناكري الجميل،يا من حوّلتم الإبداع إلى سوق للأنانيات والصراعات الهامشية-فاعلموا أن الظل الذي استقام بفضلي سينكسر حتما حين تفقدون السند الذي لا تعترفون به.وأن الاسم الذي جردتموه من صفته سيبقى خالدا في عناوين كبريات الصحف التي فتحتها لكم،وفي أرشيف النقد الذي سطرته لكم،وفي ضمير ثقافة لا تُباع ولا تُشترى.ستبقون مجرد "إشارات عابرة" في تدوينات النسيان.
والناقد الحقيقي لا يبكي على من لا يستحق الدموع.الناقد يغادر بهدوء،ليؤثث صالته بمن يقدّر الحرف،ويعرف أن الجميل دين لا يُقضى بالجحود، ولا يُسدل عليه بستيان الجحود.
وأرجو..أن تصل رسالتي إلى عنوانها الصحيح، ليس في قلوب الجاحدين-فهي قد أغلقت أبوابها- بل في ضمير من لا يزالون يعرفون أن الإبداع الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالضعف،وينمو بالامتنان، ويخلد بالتواضع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق