على ظهر الشاحنة
على ظهرِ الشاحنةِ…
يولَدُ الصباحُ مكسورًا
على ظهرِ الشاحنةِ…
تتدلّى الأرواحُ كأكياسِ خبزٍ منسيّ
وتغنّي الريحُ أغنيةً لا تُحسنُ الفرح
يا أرضَ الزيتونِ والخُضرِ والسنابلِ…
لماذا تبتلعين تعبَ النساءِ
ثم تُخرجين سنابلَ للآخرين؟
في السبالةِ
لم يكن الطريقُ طريقًا
بل كان جرحًا طويلًا
يمشي على عجلاتٍ صدئة
كانت أيادي الحرائر
تشدّ الصباحَ من عنقه
كي لا يسقطَ في الوحل
وكان التعبُ يجلسُ بينهنّ كرفيقِ سفرٍ ثقيل
يا تونس…
كم يلزمكِ من قلبٍ
كي تسمعي أنينَ الفلّاحةِ
وهي تُسحقُ بين الرغيفِ والمصير؟
حادثة الشاحنة لم تكن حادثةً عابرة…
بل كانت سؤالًا كبيرًا بلا جواب
كانت وطنًا
نسي أبناءه في مؤخرة الشاحنات
و حرائر السبالة…
لم يكنّ ضحايا فقط
كنّ الحلمَ حين يُهان
والعرقَ حين يُباع
والصبرَ حين ينكسر
من ظهرِ الشاحنةِ…
سقطتِ أيتها المناضلة
فارتجّتْ كرامةُ الأرض
وبقيتِ
كما تبقى الحقيقةُ دائمًا:
موجوعةً…
لكنها لا تموت
وفي آخرِ الطريقِ…
لا تُطفأُ الحكايةُ بل تُعلَّقُ على جدارِ الصمتِ
كأنّ الموتَ صارَ عادةً لا تُفاجئُ أحدًا
تعودُ الشاحنةُ فارغةً إلا من الذاكرة
وتبقى النساءُ هناك
في المكانِ الذي لم يُعرفْ اسمهنّ فيه إلا حين سقطن
يا تونس…
لسنا نحملُ لكِ الحقدَ
لكننا نحملُ السؤالَ كجرحٍ لا يلتئم
كيفَ ليدٍ تُطعِمُ البلادَ
أن تُترَكَ بلا أمان؟
وكيفَ لامرأةٍ تُنبتُ الخبزَ
أن تُدفنَ في طريقِ الرغيف؟
سلامٌ على اللواتي رحلنَ
وهنّ في الطريقِ إلى الحياة
فلم يصلنَ…
لكنهنّ كشفنَ وجهَ الحقيقةِ كاملًا
أنّ الوطنَ…
حين يَنسى عاملاتِه
يبدأ في السقوطِ بصمتٍ
و لا يُسمَعُ سقوطه إلا عند فوات الأوان

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق