الجمعة، 3 أبريل 2026

عورات العقول وفضيلة القول بقلم الاديب التونسي القدير بلحسن الحفصي // صالون الأدب الراقي للشاعر خالد الساسي

 

عوراتُ العقول.. وفضيلةُ القول

عجبتُ لمن ركبَ مطيّةَ الهُزءِ لِيَبنيَ قصراً من وهمِ الفكاهةِ على أنقاضِ كرامةِ الخلائقِ!
يا هذا.. إنَّ البلاغةَ رِيادةٌ لا بلادة، والظُّرفَ أدبٌ لا قِلّةُ أدب، فما كانَ السوادُ يوماً في الوجوهِ وإنما في القلوبِ التي لا تَرى في مآثرِ اللهِ إلا مادةً للتَّندرِ. إنَّ الذي يَتصيّدُ ملامحَ العبادِ ليُضحكَ الغافلينَ، إنما يَعرضُ عورةَ عقلهِ قبلَ أن يَعيبَ خَلْقَ ربهِ، وكأنَّه نسيَ أنَّ حُسنَ السَّمْتِ مِرآةٌ لِطِيبِ الأرومةِ، وأنَّ السخريةَ سلاحُ مَن ضاقتْ حيلتُه في ميادينِ الإبداعِ الحقيقيِّ.
أَلَا فاعلمْ أنَّ المقامَ العاليَ لا يُنالُ بالاستهزاءِ، وأنَّ الألسنةَ التي لا تنطقُ إلا لَمزاً هي ألسنةٌ صَدئةٌ لا يُصقِلُها إلا الاعتذارُ للصمتِ. كنْ كبيراً بحرفِك، أو فاصمتْ بوقارِك، فما هبطتِ الأندلسُ إلا حينَ ضاعتْ غيرةُ الرجالِ على رِفعةِ الخُلقِ، ولا يسقطُ الأديبُ من عَيْنِ الرُّقِيِّ إلا حينَ يظنُّ أنَّ التَّنكيتَ يُبيحُ له كسرَ الخواطرِ.
عُدْ إلى رُشدِ الحرفِ، فما زالَ في الوقتِ مُتَّسعٌ لتتعلمَ أنَّ الإنسانَ بنيانُ اللهِ، ومَلعونٌ مَن هَدَمَ هيبةَ ذاكَ البُنيان.
____________________________
وبعدَ أن باحتْ النفسُ بما يُثقلُ كاهلَها من ألمِ الهزءِ، وتلفظتْ الكلماتُ بلسانِ العتابِ الرفيعِ، فواللهِ إنَّ للعقولِ موازينَ لا يزنُها إلا الأدبُ، وإنَّ للقلوبِ منازلَ لا يسكنُها إلا الطهرُ.. ألا فليسمعِ الساخرُ في غفلتِه، وليتبصرِ المعيبُ في مرآتِه، قولِي واعقله جيدا،
سأُبْطِلُ سحرَ الباطلِ بلسانِ الحكمةِ
عِبْتَ الصَّنِيْعَ وما عَلِمْتَ بِمَنْ بَنَى
هَيْهَاتَ.. أَيْنَ العَقْلُ مِمَّنْ قَدْ جَنَى؟
أَتُسِيْمُ خَلْقَ اللهِ هُزْءاً ضَائِعاً
وتَظُنُّ جَهلاً أَنَّ طِيْنَكَ مِنْ سَنَى؟
إِنَّ الجَمَالَ جَمَالُ رُوْحٍ أُشْرِبَتْ
طُهْرَ الضَّمِيْرِ، وما سِوَاهُ هُوَ الفَنَى
كَمْ مِنْ مَلِيْحِ الوَجْهِ يَحْمِلُ خِسَّةً
ومُشَوَّهٍ بالصَّبْرِ نَالَ المَوْطِنَا
لَا تَفْخَرَنَّ بِسُخْرِ لَحْظٍ عَابِرٍ
فَالسَّهْمُ يَرْتَدُّ اسْتِعَاراً، هُنا هُنا!
بقلم بلحسن الحفصي

هناك تعليق واحد:

  1. ما أسعدَ الحرفَ حين يجدُ قلباً يوقره، وما أكرمَ الكلمةَ حين تحتضنها عينٌ بصيرةٌ تدركُ وزنها في ميزان الفكر والأدب.

    كلُّ الشكرِ والتقديرِ للأستاذ الفاضل خالد ساسي على هذا الالتفات الكريم، وعلى إعادة نشر هذا النص في هذا. الفضاءِ ، فذلك من جميلِ صنيعِها الذي يدلُّ على ذائقةٍ رفيعةٍ ووفاءِ نبيلٍ للحرفِ الأصيل.

    إنَّ الكلمةَ حين تُكتب بصدقٍ لا تعودُ ملكاً لقائلها وحده، بل تُصبحُ ضوءاً يتقاسمه أهلُ الذوقِ والمعنى، وأنتم اليوم قد منحتموها جناحينِ آخرين لتُحلّق في آفاقٍ أوسع.

    فلكم مني خالصُ الامتنان، وعاطرُ التحية، ولحروفكم الراقية دوامُ الألقِ والسمو، فما زال الأدبُ بخيرٍ ما دام فيه من يقرأه بعينِ الحكمة، وينشره بيدِ الكرام.

    ردحذف