دفتر الذكريات:-
في كل مرة أفتح فيها دفتر الذكريات،أشعر وكأنني أفتح نافذةً تشبه نسختي القديمة،و لم أعد أعرف إن كانت تبتسم لي أم تراقبني بصمتٍ طويل.
فالصفحات هنا ليست مرتبة كما ينبغي،وكأن الزمن نفسه لم يكن دقيقًا وهو يضع الأحداث بجانب بعضها البعض،فبعضها قريبٌ جدًا… وبعضها يبدو وكأنه من حياةٍ أخرى.
وهناك لحظاتٌ ما زالت دافئة رغم مرور الوقت،وكأنها ترفض أن تبرد مهما ابتعدت السنوات عنها،ولحظاتٌ أخرى فقدت ملامحها،
ولكن أثرها ما زال واضحًا أكثر من ذي قبل.
وأحيانًا أخرى لا أقرأ الكلمات،بل أقرأ ما بينها،و في ذلك الصمت الذي تركته التجارب دون أن تكتمل.
فكل صفحةٍ كانت تحمل سؤالًا صغيرًا،لم أجب عليه وقتها،
ولا أعرف إن كنت سأجيب عليه اليوم.
ومع ذلك…
لا أستطيع إغلاق الدفتر تمامًا،ففيه شيءٌ يشبهني،شيءٌ لا يريدني أن أنساه ، ولا أن أتركه خلفي بسهولة.
وهكذا أبقى بين الصفحة والأخرى،لا أنا عدتُ كما كنت،ولا أنا استطعتُ أن أترك كل ما كان،فقط أعيش على حافة الذكرى…
أقلب صفحاتها بهدوء،وكأنني أخشى أن أوقظ ما نام فيها منذ زمن.
ولكنني اليوم، حين أصل إلى آخر الصفحات،أدرك أن الفراغ الذي كان يخيفني ذات يوم،لم يعد فراغًا… بل مساحة انتظار.
وكأن الدفتر لم يُغلق بعد،بل يفتح طريقًا جديدًا بين السطور،يدعوني لأكتب ما لم يحدث بعد،لا ما انتهى بالفعل.
وفي تلك اللحظة…
لا أرى النسخة القديمة مني فقط،بل أرى النسخة التي يمكن أن أكون عليها:أهدأ، وأصدق، وأكثر قربًا لنسختي الحقيقة.
فأبتسم…
وأغلق الدفتر بهدوء،كأنني أُغلق بابًا كان مفتوحًا في قلبي منذ زمن، لا ليمنع الدخول، بل ليعيد ترتيب ما في الداخل.
وأمضي…
لا لأن الماضي فقد قيمته،بل لأنني أخيرًا تعلّمت أن لكل شيءٍ مكانه،وليس كل ما نحتفظ به يجب أن نحمله معنا إلى الأمام.
وفي الطريق أصبحت أشعر أن خطواتي صارت أخف،ليس لأن الذكريات اختفت،بل لأنني لم أعد أضعها على كتفي، لأنني بدأت بوضعها في مكانها الصحيح… في الذاكرة فقط، لا في القلب كله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق