طفولة ممزقة بين جدران الجوع: سيرة ذاتية لظل لا يغادرني
تصدير:
-كم من فقير عاش كالأغنياء بعزة نفسه،وكم من غني عاش كالفقراء بذل نفسه..!
-"لا تلم الكافر في هذا الزمن الكافر /فالجوع ابو الكفار /مولاي انا في صف الجوع الكافر /ما دام الصف الاخر يسجد من ثقل الاوزار / واعيذك ان تغضب مني/أنت المطوي عليك جناحي في الاسحار.."
( مظفر النواب)
عندما فتحنا أعيننا على هذه الدنيا في فجر الاستقلال،لم نستقبلها كما يستقبل الأطفال الحياة بفرح وانشراح،بل وجدنا أنفسنا أمام حقائق قاسية،حيث كانت الأوبئة والأمراض والفقر تتربص بنا في كل منعطف من دروب الحياة القصية.وكانت البدايات أشبه بمعركة وجود لا هوادة فيها،نكافح من أجل نفس نتنفسه،أو لقمة تسد رمقنا،أو ثوب يستر عوراتنا في زمن كانت فيه الحياة علينا حراما إلا بمقدار ما نتحمل من ألم. !
وفي خضم هذه المعاناة،كان هناك طفل يبحث عن الفرح فلا يجده،وعن الأمل فلا يراه،ليروي لنا بعد سنين حكايته التي تحكي جيلا كاملا عاش الفقر مرارة،والمرض قسوة،لكنه لم يستسلم لليأس..!
وإذن؟
أنا إذا،ذلك الطفل،الذي لم يعرف للفرح طريقا، نشأت في زمن كان الفقر فيه سيفا مسلطا على رقابنا،لا مال يضمد جراحنا،ولا غذاء يسد جوعنا، ولا ثياب تستر عورتنا سوى تلك التبرعات التي كانت تأتينا كأنها صدقات تُلقى في وجوهنا،نبتلع مرارتها مع قليل من الكرامة التي تكاد تنكسر.
ما زلت أذكر المطعم المدرسي جيدا،تلك الأكلات التي كانت تفوح منها رائحة الغياب،لا طعم لها ولا لون،كنا نلتهمها كأننا نبتلع الصخور،فقط لنخدع بطوننا الجائعة قليلا.أما أعيادنا فكانت أشبه بمقابر صامتة،لا هدايا تزينها،ولا خرفان تذبح في عيد الأضحى،فقط قليل من اللحم كان يجود به أهل الخير،فنقبله كأنه هبة من السماء،والدمعة في العين لا تراها عين.
ورغم هذا البؤس المدقع،وغياب الضوء عن بيوتنا، قرأت للمنفلوطي في "النظرات" و"العبرات"، ولأحمد شوقي (أمير الشعراء)،وحافظ إبراهيم (شاعر النيل)،وجرجي زيدان،والمازني،والشيخ محمد عبده (الإمام المجدد).. إلخ.ولم ينل مني الفقر،بل شحذ عزيمتي وزادني تشبثا بالقلم والكراس والكتاب.وكانت أمي رحمها الله،كلما أحرزت نجاحا،تهديني "زغرودة" وقطعة حلوى لا أعرف مصدرها،ولا كيف احتفظت بها كل تلك المدة من عام إلى عام.!
وفي العطلة الصيفية،كنت أعمل بائع خبز الطابونة في مخبزة جارنا الرحيم،أستيقظ منذ انبلاج الفجر،وأباشر العمل إلى الظهيرة بلا توقف،وإذا أكلت رغيفا يقتطع ثمنه من أجرتي الزهيدة..ثم عملت في البناء فلم أنجح لضعف بنيتي الجسدية، فتحولت إلى بائع خضر،وطالما تشاجرت مع أطفال فقراء في مثل عمري يريدون انتزاع بعض الخضر بدافع الجوع والفقر،وكثيرا ما ينتهي الإشتباك بمصالحة طفولية لا غدر فيها..
كنت أقرأ وأتعلم في زمن كان الجوع فيه أستاذي الأول،والشقاء رفيق دربي.كنا نلهث خلف كوب حليب في المدرسة الابتدائية كأنه كنز،نرتشفه ببطء،حفاة الأقدام أحيانا،وعراة الجسد إلا من ثياب بالية تتساقط منا خيوطا تروي حكايات البؤس.
بيتنا ذلك الذي كنا نسكنه على وجه الإحسان بلا ماء ولا كهرباء،إذ كنا نراجع دروسنا على نور شموع خجولة،وكلما انتهت طالبنا صاحب الدكان بثمنها،فيزداد همنا ثقلا فوق أثقالنا.ويتغلب فتقنا على رتقنا وتداهمنا الديون المفروشة بالدموع والمواجع..
كبرنا،وكبرت معنا الدموع،وترعرعنا في حضن الشقاء..
والآن،بعد كل هذه السنين،لم تنقشع عنا سحب البؤس بالكامل،فلعنات الماضي لا تزال تلاحقني،تطارد خطواتي،وتهمس في أذني أنني لن أفلت منها أبدا،حتى ذلك اليوم الذي أوارى فيه الثرى.!
لكنّي،رغم كل هذا الظلام،ورغم الجوع السافر، والفقر الكافر،أؤمن اليوم إيمانا لا يتزعزع بأن الصبر هو ذاك السراج الذي لا تنطفئ أنواره،وأن العمل هو النهر الذي لا ينضب ماؤه،وأن الإيمان هو الجذر الذي لا تقتلعه العواصف.
لقد علّمتني طفولتي الجائعة أن الحزن لا يموت، لكنه قد يتحول في أيدينا إلى وقود.والصبر وحده لا يكفي،والعمل وحده قد يضيع،والإيمان وحده قد يهتز،لكن حين تجتمع الثلاثة في قلب إنسان،فإنها تصنع من المستحيل طريقا،ومن اليأس نجاحا لا تبلغه الأماني.فربما يرقد الحزن معنا في القبر،لكن النجاح الذي نبنيه بأيدينا على أرض الصبر والإيمان هو وحده الذي يقوم من فوق القبر شاهدا أننا لم نعش عبثا..!
وها أنا اليوم،على عتبة الغروب العظيم،لا أحمل في جعبتي حقدا على تلك الأيام القاسية،ولا أسقي ذكراها بغير دعاء خفي أن لا يعيدها على أحد.فالطفل الذي كان يلهث خلف رغيف،أصبح يمتلك من الحكمة ما يجعل الغنى والفقر سواء أمام عينيه.ذلك أن القيمة الحقيقية للحياة لم تكن أبدا في ما امتلكناه،بل في ما صنعته منا المعاناة: قلوبا لا تنكسر بسهولة،وأيادي لا تبخل بالعطاء،وعيونا ترى النور حيث لا يراه غيرنا.
إن جيلنا ربما كان ضحية الفقر،لكنه انتصر على الفقر حين حوَّله إلى درس،وحين لم يورث أبناءه الجوع،بل ورثهم الكرامة والإصرار.وإذا كان خريف عمري قد أورق بثمار الصبر،فإن شتاءهم سيكون لا محالة ربيعا يليق بهم،لأننا نحن من دفعنا الثمن غاليا كي لا يدفعوه هم.
أما أنا،فسأمضي إلى حيث لا فقر ولا وجع،تاركا خلفي هذه الكلمات شاهدتي على أن الإنسان يبقى نبيلا حتى حين تفقره الحياة،وأن الجوع لا يقتل الأحلام،بل يعلّمها كيف تصبح حقائق.فليقرأ من بعدي من شاء،وليعلم أن خلف كل حرف من هذه الحكاية روحا لا تزال تؤمن بأن الغد أجمل،وأن الألم إذا طال،صار نعمة في ثياب العذاب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق