الخميس، 16 أبريل 2026

الحلزون الشاعر بقلم الأديبة التونسية القديرة نجمة عمر علي // صالون الأدب الراقي للشاعر خالد الساسي

 

الحلزون الشاعر..

رأيتُ الأوراق تحت شجرة الزيتون..
الأوراق لم تكن مجرد أوراق… كانت تشبه جرحًا مفتوحًا،
مثقوبة، مأكولة،
كأن شيئًا مرّ عليها ولم يترك لها حتى حق الاكتمال.
حكاية أوراق القصائد وحلزون حكاية حقيقية وليست من وحي خيالي ...
هذه المرة عشت أجمل حكاية وكأنني في عالم الخيال..
وقعت الأحداث هذا الصباح البارد ولم أكن قد أعددت فنجان الصباح بعد..
لم يكن الرعد وحده من أيقظني…
كان هناك شيء في داخلي،شيء يشبه الصوت او النداء ..
شيء يشبه القلق حين يتسلل دون استئذان،او يشبه الحنين،
أو يشبه اسمًا يُنادى ولا يُسمع كاملًا…
فتحتُ الباب،
الريح لم تكن عابرة…كانت من طرقت الباب بعنف..
كانت تعرف الطريق إلى صدري،
تهمس بعنف أشد..
وتدفعني للخروج وكأنها تقول:
_ ليس اليوم يوم كسل كما ظننتِ.
كنتُ قد تركتُ أوراقي في الحديقة…يوم أمس سهوا..
أوراقًا لا تخصني تمامًا،
بل تخص شاعرًا مجهول الاسم،
يكبرني بعقود، وذلك ما استنتجته من سنة التوقيع تحت قصائده فوق ورق الحلفاء الناعم ..
وجدته يومًا بين كتب أبي،
فأخذته كما تؤخذ الأمانات دون وعد بالإرجاع.
كنت أسرق من مكتبة أبي الكتب ولا أعيدها وأحتفظ بها ككنز ثمين ..وكان يعلم هوية السارقة ولا يتهمها بالسرقة بل يشجعها على المزيد بابتسامة خفيفة أفهمها فأبتسم..
لم أكن أظن أن الزمن سيعبث بها هكذا…
ولا أن الريح ستقلبها،
ولا أن الأرض ستستقبلها بهذا الثقل.
ولا المطر سيغسلها بعد كل الغبار العنيد..
وكأنني امتلكت بوصلة لأتوجه حيث الأوراق الضائعة.
حين اقتربتُ…
لم أعرفها فورًا.
الأوراق التي كانت تحمل قصائد،
صارت تحمل فجوات،
ثقوبًا…
كأن الكلمات سُحبت منها من الداخل،
أو كأن أحدهم قرأها بأسنانه لا بعينيه.
وهناك…
في منتصف هذا الخراب الهادئ،
كان هو.
حلزون…
لا يبدو مذنبًا،
ولا يبدو بريئًا،
يمشي فوق الورق كما لو أنه يقرأ،
أو كما لو أنه يحفظ ما يأكل…
توقفتُ…
ولأول مرة لم أعرف ماذا أحزن عليه:
هل أحزن على القصائد؟
أم على الشاعر الذي تعب في طبعها؟
أم عليّ…
لأنني تركتها وحدها في مواجهة الريح والجوع؟
كيف سمعتُ صوت الورق؟
هل كانت تناديني؟
أم أن روح الشاعر بقيت فيها،
تستغيث بي قبل أن تُؤكل؟
نظرتُ إلى الحلزون طويلًا…
وسألتُ نفسي دون خوف هذه المرة:
_ هل صار شاعرًا؟
هل ابتلع الحروف فامتلأ بها؟
هل سيكتب، في ليلٍ رطب،
قصائد فضية لحلزونةٍ لا تعرف اسمي… لكنه يعرفها؟
ابتسمتُ رغم شيء انكسر في داخلي…
كنتُ أبحث بين ما تبقى،
أفتش عن ورقة…
ورقة فيها شيء عن النجمة،
عن قصيدة ربما لم تكتمل…
لكنني وجدت ما هو أثقل…
وجدته واقفًا بلا مبالاة، ذلك الحلزون الذي عض كل الورق وخلفه خيط فضي لامع..
واقفا تمامًا فوق ورقة بعنوان “الشاعر”…
وقريبًا منها أخرى بعنوان “القصيدة”…
كأن الأمر لم يكن مصادفة.
كأن هذا الكائن البطيء اختار كتابة قدره
اختار الحلزون ان يكون شاعرا.
تراجعتُ خطوة…
وشعرتُ أنني أنا الغريبة في المشهد،
أنني أنا التي لا تفهم ما يحدث…
هل كان الشاعر يعرف؟
هل خطر له يومًا
أن كلماته…
لن يسرقها النسيان،
بل سيأكلها حلزون…
بهدوء…
دون ضجيج…
دون ندم؟
رفعتُ بعض الأوراق،
هشّة، رطبة، مثقوبة…
لكنها ما زالت تنبض بشيء منها…
والريح…
لم تأخذها بعيدًا…
كأنها تعرفني،
أو تعرف أن هذه الحكاية
يجب أن تُروى… لا أن تضيع.
عدتُ إلى الداخل،
وأنا أحمل ما تبقى،
وأحمل سؤالًا أثقل من الورق كله:
هل ضاعت القصائد…
أم أنها فقط…
غيّرت كاتبها؟
وتركتُ خلفي حلزونًا،
لا أعرف…
هل كان مجرد كائن جائع…
أم بداية شاعرٍ
يكتب…
من تحت جلدي أنا.
لحظة..لحظة..نسيت أن أخبركم أنني تساءلت لو كانت هناك محكمة ..هل ستحكم على الحلزون بالسجن لأنه أكل حروف
القصائد؟
وهنا سبحان في خيالي كالمعتاد وتخيلت الحلزون متهما خلف القضبان يتوسل الرحمة من المشاعر والشاعر..
ثم تأتي الفراشة تلبس رداء المحاماة لتدافع عن الحلزون وتتهمني بإهمال الاوراق .
تخيلوا معي وامتبوا لاقرأ.
مع تحيات الحلزون واحذروا ترك كتبكم وأوراقكم في حديقة البيت فهناك وحوش صغيرة تلتهم الحروف.
وجبة الحلزون اليوم كانت دسمة ومختلفة ولم تحدث في أي زمن الا في زمن نجمة.
مازلت تحت وطأة الصدمة ..
اتمنى ألا أنسى شكل الحلزون الشاعر وملامحه .
الكاتبة نجمة عمر علي


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق