قلب خارج نطاق التغطية:-
في عمق الليل، حين تهدأ أصوات المدينة وتغرق الأنوار في ظلالها، شعرت بشيء غريب ينساب داخلي ، كأنه رسالة مرسلة من مكان لا يعرفه أحد، شيء يشبه الهمس الذي لا يسمعه سوى القلب نفسه، شيء يصرخ في صمت، يبحث عن أثر، عن حضن، عن حياة لم أعهدها بعد.
وكأن قلبي،صار ذلك القلب الذي أصبح خارج التغطية، يعيش في عالم آخر، بعيد عن الشبكات، وعن كل من يسعى لفهمه، يراقبني وأنا أتحرك بين الناس، ويراقب خطواتي، وابتساماتي، وأحلامي الصغيرة والكبيرة، وكأنه يحاول أن يجد لنفسه مساحة بين هذا الصخب والفراغ.
فهذا القلب لا يعرف الصمت، ينبض دون توقف، يسمع أكثر مما يتحدث، يشعر بما لا يُرى، يتألم بصمت ويحب بلا حدود، ويتوق إلى أشياء ربما لن تتحقق أبدًا، لكنه لا يتوقف عن البحث عن أي بصيص أمل لحياة يستحق أن يعيشها.
وأحيانًا أشعر أنه يعيش أمامي وأنا عاجزة عن لمسه، وأحيانًا أراه يختبئ خلف تفاصيل صغيرة، وخلف أصوات خافتة، أو خلف أشعة الضوء التي تلمع على الجدران، وكأنه يرفض أن يكون مفهومًا، دون قيود، ويرفض أيضًا أن يكون في مكان واحد.
ومع كل يوم يمر، أكتشف أنه يخترق حدودي، يتجاوز كل قوانين العالم، يزرع في داخلي أسئلة لا تنتهي:
هل سيجد يومًا من يراه او يفهمه؟ وهل سيبقى دائمًا خارج التغطية، كنبض طائر يطير وحيدًا في عالم لا يسمعه أحد؟
ولكنه رغم كل شيء، يستمر، يصر على أن يعيش، وأن يشعر، ويحب، وحتى لو كان الألم أقوى من كل شيء، وحتي لو كانت الوحدة أعمق من أي محيط يمكن أن يحيط بنا.
أضع يدي على قلبي ، أحاول أن أفهمه، وأحاول أن أهدئه، لكنه يظل حاضرًا، حاضرًا من دون إذن، وبلا صمت، وحاضرًا بلا قيود، وبكل ما هو أنا، وما أنا عليه من شغف وخوف وحنين وأمل، وكل لحظة شعور صادق لم أعرف كيف أعبر عنها من قبل.
وأحيانًا، وسط صخب العالم، أسمع نبضه يقول لي: استمري، لا تخافي، كوني كما أنا، كوني قلبًا حرا دون اي قيود.
وفي الصباح، حين يطل الضوء ويلامس وجهي، أكتشف أن قلبي لم يعد خارج التغطية بمفرده، بل أصبح معي، أصبح جزءًا من كل لحظة أعيشها، وأصبح يملأ فراغاتي، ويضيء زوايا روحي، ويجعلني أرى الأشياء التي كنت أخاف أن أراها، ويجعلني أيضًا أؤمن بأن هناك دائمًا بداية جديدة، مهما كانت الليالي مظلمة، ومهما كانت الطرق طويلة.
فهذا القلب الخارج عن التغطية، هو أنا، هو كل ما أحلم به، وكل ما أخشاه، وما أحب، وكل ما أرجو أن يكون، وهو في النهاية دليل على أن الحياة تستمر، وأن الحب ممكن، وعلى أن النور مهما طال الغياب، دائمًا يجد طريقه ليصل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق