الجمعة، 20 فبراير 2026

عودة الروح إلى الجسد بقلم الأديبة الليبيّة القديرة خديجة رمضان عبد النبي // صالون الأدب الراقي للشاعر خالد الساسي

 

عودة الروح إلى الجسد:-

في بعض اللحظات توجد لحظة لاتشبه غيرها، وهي عندما يسكن العالم كله في صمت غريب، تشعر بأن شيئًا ما قد فارقك دون أن تراه، كظلٍ يتسلل بعيدًا عن الحائط، يترك وراءه فراغًا لا يمكن ملؤه.
شيء منك قد رحل، لكنه لم يترك أثرًا ظاهرًا، فقط فجوة داخلية، وصمتًا يثقل القلب، وهمسًا داخليًا يكرر السؤال: أين أنا؟
عندما كنت أتنقل بين الأماكن كما لو كنت نسمة بلا ملامح واضحة، فأرى وجوه الناس بلا حضور، أسمع الكلمات بلا رنين، ألمس الأشياء بلا معنى.
كل شيء حولي حيّ، إلا أنا… جسدٌ يمشي في مسار الحياة، لكن الروح غائبة، تبحث عن ضوءٍ لم تراه منذ زمن بعيد، عن نبضٍ يذكّرها بأنها ما تزال هنا حية.
كانت البداية هنا لحظة غريبة، عابرة، كنور خاطف في الليل، شعرت بها قبل أن أعرف مصدرها.
وخزة في صدري، همسة خافتة تتسلل بين الضلوع، تقول شيئًا لم يسمعه سوى القلب: أنت هنا… لا تزال هنا.
لم تكن الكلمات واضحة، لكنها كانت كافية لتعيد الروح إلى وعيها، لتهمس لنفسها بأن الحياة لم تنتهِ بعد، وأن العودة ممكنة مهما طال الغياب.
تسللت الروح شيئًا فشيئًا، ببطء، كنسمة دافئة تمر عبر جسدي، تلامس الأماكن التي ظننت أنها ماتت، تضيء الزوايا المظلمة التي اعتادت الوحدة.
بدأت أرى من جديد، أسمع من جديد، أتنفس من جديد… كل إحساس صغير أصبح عظيمًا، كل لحظة عابرة أصبحت ثمينة، وكل ضحكة خافتة شعرت بها كما لو كانت أول ابتسامة لي منذ زمن بعيد.
وفي صمت الليل، جلست مع نفسي، وأدركت أن العودة ليست مجرد حركة جسدية، بل استعادة لنفسي، واحتضان لما فقدته من مشاعر، وفهم عميق لكل لحظة من الألم، لكل فراغ من الغياب. فالجسد عاد ليصبح مرآة الروح، والروح عادت لتضيء الجسد، وكل شيء بدا متناغمًا، كأن الكون نفسه توقف ليشهد لحظة عودتي.
وتعلمت أيضًا أن الغياب ليس نهاية، وأن الصمت الطويل يحمل وعودًا مخفية، وأن كل فراغ يخبئ في طياته نورًا لم نره بعد.
فكل خطوة في العودة كانت رحلة، وكل لمسة في الداخل كانت اكتشافًا، وكل شعور كان صدى للحياة التي طالما انتظرتها.
وفي النهاية، شعرت بالسلام ينزل علي قلبي، والنبض يعود بثقة، والروح تتنفس بحرية، والجسد يحضن نفسه لأول مرة بعد طول غياب.
وكل شيء بدا جديدًا… كما لو أني ولدت من جديد، ولكن هذه المرة بعينين تعرفان قيمة الحياة، وقلب يقدر كل لحظة، وكل نفس، وكل همسة، وكل ضوء خافت في الليل.
وهكذا، عرفت أن الروح مهما ابتعدت، ستجد دائمًا طريقها إلى الجسد، وأن كل رحلة غياب تحمل في طياتها وعدًا بالعودة، وأن كل قلب خائف من الفقد يحمل بداخله القدرة على النهوض، على الاستيقاظ، على الحب مجددًا… حتى لو كان ذلك الحب للحياة نفسها.
بقلمي:- خديجة رمضان عبد النبي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق