السبت، 14 فبراير 2026

نافذة تطل على قلبين بقلم الأديبة الليبية القديرة خديجة رمضان عبد النبي // صالون الأدب الراقي للشاعر خالد الساسي

 

قصة اليوم بعنوان :-

نافذة تطل على قلبين :-
كانت هناك فتاة اسمها ليلي وهي فتاة خجولة، تعيش مع والديها في شقة صغيرة هادئة.
وبما أنها بلا إخوة، اعتادت أن تقضي أغلب وقتها وحيدة في غرفتها، تراقب حركة الناس عبر نافذتها، وتتساءل دائمًا:
هل الوحدة قدر… أم مرحلة وستنتهي؟
وفي إحدى ليالي الخريف الهادئة، وبعد منتصف الليل بقليل، شعرت فجأة بشيء غريب، إحساس ثقيل كأن شخصًا يراقبها. تجاهلت الأمر في البداية، لكنها لم تستطع مقاومة فضولها.
نهضت من سريرها واتجهت نحو النافذة.
وهناك… في المبنى المقابل…
رأته.
كان شابًا يقف عند نافذته، ينظر إليها بثبات غريب.
لم تستطع رؤية ملامحه بوضوح بسبب الظلام، لكن شيئًا فيه كان مألوفًا بشكل يربكها… كأنها رأته من قبل في حلم بعيد لم تتذكره.
مرت تلك الليلة بصمت، ومع الأيام بدأت الذكرى تختفي.
لكن في ليلة أخرى، بعد أسبوع تقريبًا، استيقظت ليلي من نومها بشعور قوي دفعها للركض نحو النافذة كأن شيئًا يناديها.
فتحت الستارة بسرعة… فرأته مجددًا، واقفًا في نفس المكان كأنه كان ينتظرها.
ومنذ تلك الليلة، أصبحت النظرات لغة بينهما.
لا تحتاج الي كلام، ولا إشارة، ولا حركة…
فقط عيون تلتقي كل ليلة، تطمئن بعضها بأن هناك من ينتظر.
شعرت ليلي بشيء دافئ لأول مرة منذ سنوات، كأن شخصًا ما يشاركها وحدتها دون أن يتحدث.
أصبحت تتجه إلى نافذتها كل ليلة في نفس الوقت، ووجوده هناك كان يمنحها أمانًا لم تفهم سببه.
لكن في تلك الليلة… لم تجده.
وقفت طويلاً تنظر للمبنى المقابل، تبحث عنه بعينيها، لكن نافذته كانت مظلمة، وفارغة.
مليء قلبها خوف لم تتوقعه…
هل كان كل شيء مجرد خيال؟
هل كانت تتعلق بوهم؟
هل عاد الشعور القديم… شعور الوحدة؟
بكت وكأنها فقدت شخص عزيزعليها، وكأن غياب عينيه أعاد إليها سنوات الحرمان التي حاولت نسيانها.
مر يوم… ثم يوم آخر… واختفى الشاب تمامًا.
بدأت ليلي تعاتب نفسها على تعلقها بشخص لا تعرفه.
حاولت الانشغال بقراءة الكتب، لكنها كانت تتوقف عند كل صفحة وتشعر أن نافذتها ثقيلة بلا معنى.
وفي ليلة ثالثة، بينما كانت تقلب صفحات كتاب دون تركيز، سمعت حركة خفيفة على زجاج نافذتها.
ظنّت أنها تتخيل… لكنها اقتربت ببطء ورفعت الستارة.
كان هناك…
لكن ليس عند نافذته هذه المرة.
كان واقفًا أمام باب المبنى المقابل، تحت ضوء المصباح، ينظر إليها مباشرة.
ثم رفع هاتفه قليلًا، لتظهر كلمة واحدة مضيئة في الشاشة:
وهي آسف.
تسارعت أنفاسها.
لم تفهم، ولكنه تابع الكتابة:
جدتي كانت مريضة في المستشفى… لم أستطع الوقوف عند نافذتي.
أغمضت عينيها بارتياح غريب، واختفت الدموع التي كادت تسقط.
ابتسمت له بخجل، فتنفّست روحه وكأنه رأى الشمس لأول مرة.
ابتسم هو الآخر—ابتسامة صادقة تُشبه الاعتذار والفرح معًا.
في اليوم التالي، وللمرة الأولى، سمعت طرقًا على باب بيتهم.
فتح والدها الباب، فوجد الشاب واقفًا بابتسامة مهذبة.
وقال بهدوء واحترام:
اسمي آدم… وأعيش في المبنى المقابل.
أردت فقط أن أتأكد أن ليلي بخير… وأن أوضح سبب غيابي.
كانت ليلي تقف خلف الباب بقلب يرتجف.
وشعرت بالخوف من ردت فعل والدها ولكن والدها شعر بانه شخص محترم لأنه دخل من الباب ثم قام والدها وتحدث معها وقال لها أريدك أن تكوني سعيدة فأنا اثق في اختياراتك ثم خرجت ليلي لتجلس معه لاول مرة، وكان اللقاء بسيطًا، لكنه دافئ… كأنهما كانا صديقين من زمن بعيد.
تحدثا عن الكتب والهوايات، وعن تلك الليالي الصامتة التي كانت فيها النظرات تكمل ما تعجز الكلمات عن قوله.
تحولت اللقاءات إلى عادة، والعادة إلى اهتمام، والاهتمام إلى علاقة تعرفت فيها ليلي على أول شعور حقيقي بالطمأنينة.
لم تعد نافذتها نافذة… بل صارت جسرًا بين قلبين، وسببًا لاكتشافها أن الوحدة ليست قدرًا دائمًا.
ومرت الشهور حتى جاء شتاء بارد، وقف فيه آدم في نفس المكان الأول، يرفع رأسه نحو نافذتها، لكن هذه المرة لم يحمل هاتفًا… بل علبة صغيرة.
رفعها وقال بابتسامة خجولة تشبه تلك التي رأتها أول مرة:
هل تسمحين لي أن أكون الشخص الذي لا يختفي عن نافذتك… ولا عن حياتك؟
امتلأت عينا ليلي بالدموع، لكن قلبها كان مطمئنًا كما لم يكن من قبل.
وافقت… وبابتسامتها بدأت حكاية جديدة، شتّتت كل سنوات الوحدة التي عانت منها.
ومرّت سنة على تلك الليلة الشتوية التي وقف فيها آدم تحت نافذة ليلي طالبًا أن يكون جزءًا من حياتها.
سنة واحدة… لكنها كانت كفيلة بأن تغيّر كل شيء في حياة الفتاة الخجولة التي اعتادت الوحدة.
لم يعد الليل مخيفًا…
لم تعد النافذة موحشة…
ولم تعد ليلي نفس الفتاة التي تخاف أن تعلّق قلبها بشخص قد يغيب.
آدم كان مختلفًا.
لم يكن يملأ وقتها فقط… بل كان يملأ تلك الفراغات الداخلية التي لم تكن تعرف كيف تتعامل معها.
كان يجلس معها كل يوم تقريبًا، يقرأن معًا، أو يمشيان في الطرقات القديمة للمدينة، أو يجلسان في المقهى الصغير القريب من بيتها.
كان يعرف كل التفاصيل الصغيرة عنها…
يعرف أنها تخاف من الأماكن العالية، ولكنها تحب النظر إلى الغروب من الأسطح.
ويعرف أنها تضحك عندما تتوتر، وتبكي فقط إذا شعرت أن أحدًا قد يتركها.
ويعرف أنها تحب الأشياء البسيطة… وأن قلبها هش لكنه نقي.
وفي المقابل…
كانت ليلي تحفظ صوته، فتعرف من نبرة عادية أنه متعب، ومن صمته الطويل أنه يخفي شيئًا، ومن طريقته في الكلام أنه يفكر بشيء أكبر منه.
ومع ذلك، لم يكن كل شيء ورديًا.
بعد سنة من العلاقة، بدأ آدم يواجه ضغطًا كبيرًا في عمله، وبدأ يفكر بقرار يغير حياته كلها: السفر خارج البلاد لإكمال تخصصه.
كان يريد مستقبلًا أفضل… لكنه كان يخاف أن يقدّم خطوة تبعده عن ليلي.
ومع مرور الأيام، لاحظت ليلي تغيّره.
صار صامتًا أحيانًا… ويبتسم لكنه ليس سعيدًا بالكامل.
وفي ليلة ممطرة، قررت مواجهته.
استجمعَت شجاعتها وجلست بجانبه على الأريكة، ثم قالت بصوت منخفض:
آدم… ماذا جري لك أشعر بأنك قلق هذه الفترة كأنك تخفي عني شيء لا تريدني أن أعرفه.
ثم ساد بينهما صمت طويل لكنه صمت مختلف… صمت ثقيل ينتظر كلمة واحدة ليخفّ.
تنهد آدم وقال:
— عرضوا عليّ منحة سفر… لمدة ست شهور.
— ولكني اشعر بالخوف.
— مما تخاف من السفر؟
— لا… خايف أرجع من السفر فاجدك قد رحلتي وتركتيني وحيدًا.
تجمّدت ليلي.
لم تكن تتوقع أن خوفه يشبه خوفها القديم، خوف الوحدة… خوف فقدان شخص أصبح جزءًا من تفاصيل روحها.
اقتربت منه وقالت لأول مرة دون خجل أو تردد:
— آدم… النافذة اللي جمعتنا، جمعتنا لأن كل واحد فينا كان محتاج الثاني.
لو سافرت، النافذة لن تبقي مقفلة…بل مفتوحة، وتدلّك علي الطريق الصحيح للرجوع.
كانت كلماتها بسيطة لكنها صادقة… جعلته ينظر لها بطريقة لم ينظر بها لأحد في حياته.
وفي تلك اللحظة فهم أن الحب ليس تمسكًا… بل دعمًا.
قرر السفر.
وكانت الستة أشهر تمشي ببطء… لكنها كانت مليئة برسائل، والمكالمات وصورًا، ونوافذ مفتوحة دائمًا.
لم تتغير المسافة بين قلوبهما رغم المسافة بين البلدان.
وفي يوم عودته، لم يرسل رسالة يخبرها أنه وصل.
لم يتصل.
فقط وقف تحت نافذتها، في نفس المكان الذي بدأ منه كل شيء، يحمل بيده حقيبته، وعلى وجهه ابتسامة تعب وفرح وحنين.
فتحت ليلي النافذة، وما إن رأته حتى ركضت نحو الباب وذهبت إليه.
لم يقل شيئًا… ولم تقل هي شيئًا.
احتضنها، وبكي قليلًا.
وفي تلك الليلة، جلسا سويًا، وقال لها آدم بصدق لم يخجل منه:
— لو كان للعمر نافذة واحدة… فأنتي الشخص الوحيد الذي سأسمح له بأن يطل من النافذة معي ّ.
ابتسمت ليلي… وأدركت أن الوحدة التي اخافتها سنوات، لم تكن إلا مرحلة تنتظر هذا اللقاء.
العبرة من النهاية:-
أحيانًا نحتاج فقط إلى شخص يرى صمتنا… قبل كلماتنا.
وأن لا نحكم على غيابٍ لم نفهم سببه بعد.
فبعض الروابط تولد من نظرة، وتنمو بالصدق، وتكبر بالصبر… حتى تصبح قدرًا جميلاً.
فالحب الحقيقي ليس شخصًا يبقى قربك دائمًا…
بل شخصًا يعود، مهما ابتعدت به الطرق.
ويختار قلبك كل مرة، رغم المسافة، والضغط، والخوف.
بقلمي:- خديجة رمضان عبد النبي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق