رسالة لم تُرسل… ولكنها وصلت:-
وضعت هاتفي جانبًا.
أغلقت الشاشة قبل أن أكتب الكلمة الأخيرة.
بقي السطر ناقصًا…
معلّقًا كأنّه ينتظر شجاعة صغيرة لم أملكها.
قرأت ما كتبته أكثر من مرة، ثم مسحته.
أعدت كتابته، ومسحته مرة أخرى.
ليس لأنني لا أعرف ماذا أقول،بل لأنني أعرف جيدًا.
فلهذا شعرت بالخوف بأن يصبح الشعور حقيقيًا أكثر مما ينبغي لو كتبته كاملًا.
كان لدي كلام كثير،وأشياء بسيطة جدًا،وتفاصيل صغيرة لايلاحظها أحد،لكنها كانت تعني لي العالم كله.
فكيف أضع قلبًا كاملًا داخل رسالة قصيرة؟
وكيف أختصر هذا الازدحام كله في بضعة أسطر؟
فأبتسمت لنفسي، وأغلقت الهاتف.
فقلت لنفسي:
بعض الرسائل لا تحتاج أن تُكتب… يكفي أن نشعر بها.
وفي ذلك اليوم مر ّكل شيء عاديًا من حولي،ولكن في داخلي
كانت تلك الرسالة تمشي معي،كأنها ظلّي.
لا هي مكتوبة،ولا هي منسية،هي فقط موجودة.
تنام معي،وتستيقظ قبلي،وترافقني بصمتٍ لا يرهقني،بل يمرّ على قلبي كنسمة دافئة.
فكنت بوقتها أظن أن الرسائل التي لا تُرسل تضيع،وتتلاشى،وتبقى عالقة كغصة.
لكن الغريب…
أنني بدأت أشعر بخفّة لم أفهمها.
كأن شيئًا انزاح من قلبي،وكأن نافذة فُتحت في مكانٍ مغلق منذ زمن طويل،ودخل منها هواء جديد…
يكفي فقط لأتنفّس.
لم تصل الرسالة إلى أحد،ولم يقرأها أحد،ولم تغادر يدي أصلًا.
ومع ذلك…
وصلت.
وصلت إليّ أنا.
إلى ذلك الجزء المتعب في داخلي،وإلى تلك الطفلة التي تعوّدت أن تكون قوية أكثر مما ينبغي،وإلى قلبي الذي كان ينتظر كلمة طمأنينة فقط.
كأنها جلست بجانبي وهمست:
لا بأس… أنا أفهمك.
ومنذ تلك اللحظة،تغيّر شيء صغير في داخلي.
لم أعد أخاف مشاعري كما كنت.
وإذا اشتقت… لا أهرب.
وإذا حزنت… لا أخفي.
وإذا امتلأ قلبي بالكلام… أتركه كما هو.
فتعلّمت أن بعض الصمت رحمة،وأن بعض الرسائل خُلقت لتُشعر بها ، لا لتقرأها.
وأصبحت أرى نفسي بوضوح أكبر،وأعامل قلبي بلطفٍ لم أعتد عليه من قبل.
وكلما كتبت رسالة ولم أرسلها،لا أمسحها بحزن،ولا ألوم ترددي،
بل أبتسم فقط…
وأتركها تمضي بطريقتها الخاصة.
فالرسائل التي لا نُرسلها للآخرين… قد تكون أصدق رسالة نرسلها لأنفسنا.
وما يخرج من القلب بصدق لا يضيع أبدًا.
بل يتحوّل إلى نور صغير، يسكننا،ويمرّ على قلوبنا كنسمة هادئة،
ويرشدنا… ويعيدنا لأنفسنا كلما تهنا عن الطريق.
ومع مرور الأيام،بدأ ذلك النور يكبر بداخلي دون أن أشعر.
صار يسبقني إلى الصباح،ويخفّف عني ثقل الأمس،
ويهمس لي كلما تعبت:
أمازلتِ بخير.
وها أنا الآن…
أخفّ من الأمس،وأهدأ من دي قبل،وأقرب إلى روحي أكثر من أي وقت مضى.
فأشعر بالخفة،وبالقبول،وبأن كل يوم جديد يحمل فرصة صغيرة للفرح.
فالرسائل التي لم أرسلها…
لم تضِع كما ظننت،بل تحوّلت إلى ضوء داخلي،ينير طريقي بهدوء،ويذكّرني بأن الحياة دائمًا تمنحنا فرصة أخرى لنكون بخير.
كأن تلك الرسالة،لم تكن تنتظر طريقًا ولا عنوانًا،كانت فقط تنتظرني…
كي أسمع نفسي أخيرًا.
ومنذ ذلك اليوم،أيقنت أن بعض الرسائل،حتى وإن لم تُرسل للآخرين،هي أجمل رسالة نرسلها لأنفسنا.
وفي داخلي الآن،نور يلمع أكثر،وأمل يكبر بهدوء،وقلبٌ مطمئن يعرف أخيرًا،أن الحب الحقيقي،يبدأ دائمًا من الداخل…
وأن ما يصل إلى الروح،لا يحتاج عنوانًا أصلًا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق