الأحد، 22 فبراير 2026

رسائل خبأتها تحت وسادتي بقلم الأديبة اللّيبيّة خديجة رمضان عبد النبي // صالون الأدب الراقي للشاعر خالد الساسي

 

رسائل خبأتها تحت وسادتي:-

كنتُ أكتب رسائل لا تحمل اسمًا محددًا، ولا تنتظر عنوانًا لتصل. رسائل تشبهني، بسطورها المرتبكة وحروفها المبعثرة، كنت أضعها تحت الوسادة كأنني أخبئ صوت قلبي من ضجيج العالم.
كل ورقة كانت تحمل شيئًا من روحي، مزيجًا من حزن وراحة، من أمل يتشبث بي رغم كل شيء.
لم أكتب عن أشخاص، بل عن لحظات.
عن يوم مرَّ سريعًا ولم أحتفظ منه إلا بضحكة عابرة، عن ليلٍ طويل كنت أبحث فيه عن طمأنينة، عن حلم صغير تكسَّر لكنه ظل حيًا في داخلي.
كتبت عن الصمت الذي يرافقني، وعن أسئلة لا تنتهي، وعن انتظار لا أعرف وجهته.
الوسادة كانت صندوق أسراري، تسمع أكثر مما تسمح به الحياة. كلما وضعت ورقة جديدة، شعرت أنني أُخفف شيئًا من ثِقلي.
كنت أعلم أن أحدًا لن يقرأ تلك الرسائل، لكنها لم تكن بحاجة إلى قارئ ،كانت مجرد اعترافات أتركها هناك لأحمي نفسي من الغرق في اعماق روحي.
كبرت الرسائل كما كبرت أنا، صارت تحكي عن أحلام مؤجلة، عن محطات لم أصلها، عن وجوه غريبة التقيتها ورحلت عني، وعن مسافات صنعت بيني وبين ما أُحب جدارًا من الصمت.
وفي كل ورقة كنت أضع جزءًا من قلقي، وأحيانًا شعاعًا صغيرًا من الأمل كي لا أنسى أنني ما زلت أتنفس.
كنت أكتب لأُذكّر نفسي أنني عشت.
أنني مررت بأيام لم تترك أثرًا ظاهرًا لكنها اصبحت نسخة من روحي.
أكتب لأوثّق دمعات لم يرها أحد، وأفراحًا لم تكتمل، وصباحات مشبعة بسلام قصير سرعان ما تبعثره الحياة.
ورغم كل ما حملته تلك الأوراق من وجع، بقي فيها خيط صغير من نور.
كنت دائمًا أحرص أن أضع بين السطور كلمة تبعث الطمأنينة، أو جملة تُشبه وعدًا مؤجلاً، كأنني أقول لنفسي: لن يبقى الليل طويلاً، فالفجر يعرف الطريق.
كل رسالة كتبتها كانت تحفظ في داخلها بذرة حياة، حتى وإن غلبها الحزن.
كنت أجد نفسي أكتب عن غدٍ أبسط، عن ابتسامة ستولد من مكان لا أتوقعه، عن فرصة غير متوقعه قد تطرق الباب حين أكون على وشك الانهيار.
ومع مرور الوقت، أدركت أنني لا أخبئ رسائل فقط، بل أخبئ بداخلها قوة خفية.
كانت كل ورقة تشهد أنني استطعت النجاة من يوم صعب، وأنني كنت أملك شجاعة أن أكتب بدل أن أستسلم.
وكلما تراكمت الرسائل، شعرت أنني أبني جسرًا صغيرًا بيني وبين الغد، جسرًا من الورق والحبر، لكنه ثابت في داخلي.
اليوم حين أتذكرها، لا أراها كأوراق حزينة فقط، بل كبدايات صغيرة.
بدايات علّمتني أنني مهما تهت، أستطيع أن أعود إلى نفسي من جديد.
أنني مهما بكيت، لا بد أن أضحك يومًا بصدق.
وأنني مهما خبأت ضعفي، سيأتي وقت أكتب فيه رسالة أخيرة لا أخبئها تحت وسادتي، بل أرفعها إلى السماء وأتركها تطير.
تلك الرسائل كانت مرآة صافية لقلبي حين عجزت عن الكلام، وملجأً صغيرًا يحتضنني حين شعرت بالوحدة.
لقد كانت درسًا صامتًا بأن الحياة، رغم ثِقلها، تحمل بين صفحاتها لحظة دفء، لحظة أمل، لحظة تكفي لأن نواصل السير.
ولعل أجمل ما في الأمر أنني ما زلت أكتب… لكنني هذه المرة لا أكتب لأخبئها تحت وسادتي، بل أكتب لأضيء طريقي بنور من الأمل لاينطفي بل يزداد توهجا.
بقلمي:- خديجة رمضان عبد النبي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق