اِمْرَأَةٌ مِنْ ضَوْءٍ مُؤَجَّل
فَصْلٌ تَمْهِيدِيّ
لَمْ تَكُنْ تَحْلُمُ لِتَنَامَ، بَلْ كَانَتْ تَنَامُ كَيْ تَحْلُمَ. فِي الْيَقَظَةِ، كَانَتِ اِمْرَأَةً كَمَا أَرَادُوهَا: تُؤَجِّلُ نَفْسَهَا، وَتُتْقِنُ الصَّمْتَ، وَتَخْتَصِرُ أَحْلَامَهَا فِي جُمْلَةٍ مُؤَدَّبَةٍ. أَمَّا فِي الدَّاخِلِ، فَكَانَتْ مَسَاحَةٌ تَتَّسِعُ لِكُلِّ مَا لَمْ يُقَلْ.
الْفَصْلُ الأَوَّل: اِمْرَأَةٌ تَحْلُمُ كَيْ لَا تَمُوتَ
كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ الْحُلْمَ لَيْسَ تَرَفًا، بَلْ آخِرَ مَا يَتَبَقَّى حِينَ يَضِيقُ الْوَاقِعُ عَنْ قَلْبٍ وَاحِدٍ. تَسْتَيْقِظُ كُلَّ صَبَاحٍ بِتَعَبٍ هَادِئٍ، وَتَغْسِلُ وَجْهَهَا لِتَتَأَكَّدَ أَنَّهَا مَا زَالَتْ هُنَا، كَامِلَةً لَمْ تُخْتَصَرْ بَعْدُ. فِي الْمِرْآةِ تَرَى سِنِينَ مَرَّتْ دُونَ اِسْتِئْذَانٍ، وَأَحْلَامًا تَقِفُ خَلْفَ عَيْنَيْهَا كَأَطْفَالٍ يَنْتَظِرُونَ دَوْرَهُمْ.
تَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ كَظِلِّهَا، تُؤَدِّي دَوْرَ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَطْلُبُ أَكْثَرَ مِمَّا يُمْنَحُ لَهَا. لَكِنْ فِي اللَّيْلِ، تَفْتَحُ نَافِذَةً صَغِيرَةً فِي صَدْرِهَا وَتَدَعُ الْحُلْمَ يَتَسَلَّلُ، وَتَهْمِسُ لَهُ: لَا تَخَفْ، مَا زَالَ لِي قَلْبٌ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: حِينَ يَعْلُو الصَّوْتُ الَّذِي كَانَ هَمْسًا
كَانَ التَّحَوُّلُ صَغِيرًا حَدَّ أَنْ لَا أَحَدَ اِنْتَبَهَ لَهُ سِوَاهَا. دَفْتَرٌ قَدِيمٌ فِي قَاعِ دُرْجٍ، غِلَافُهُ بَاهِتٌ وَصَفَحَاتُهُ تَصْفَرُّ كَاعْتِذَارَاتٍ مُتَأَخِّرَةٍ. قَرَأَتْ سَطْرًا وَاحِدًا فَانْتَفَضَ قَلْبُهَا: «إِنْ لَمْ أَكُنْ نَفْسِي يَوْمًا، فَلَنْ أَكُونَ شَيْئًا آخَرَ».
مُنْذُهَا صَارَ الصَّمْتُ ثَقِيلًا. بَدَأَتْ تَرَى كَيْفَ تُقَاطَعُ، وَكَيْفَ تُتَّخَذُ الْقَرَارَاتُ دُونَهَا. وَفِي مَسَاءٍ عَادِيٍّ، حِينَ طُلِبَ مِنْهَا أَنْ تُؤَجِّلَ نَفْسَهَا، قَالَتْ بِهُدُوءٍ أَرْبَكَ الْجَمِيعَ: لَا. كَلِمَةٌ خَفِيفَةٌ سَقَطَتْ كَحَجَرٍ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ.
الْفَصْلُ الثَّالِث: الثَّمَنُ الَّذِي لَا يُكْتَبُ فِي الْفَوَاتِيرِ
لَمْ يَأْتِ الثَّمَنُ صَاخِبًا؛ جَاءَ نَظَرَاتٍ أَطْوَلَ، وَصَمْتًا مَقْصُودًا، وَحِرْصًا يُشْبِهُ اللَّوْمَ. قَالُوا إِنَّهَا تَغَيَّرَتْ، وَلَمْ يَسْأَلْهَا أَحَدٌ: إِلَى مَاذَا عَادَتْ؟
تَعِبَتْ مِنَ الشَّرْحِ، وَمِنْ تَبْرِيرِ حَقِّهَا فِي أَنْ تَكُونَ. بَكَتْ دُونَ خَجَلٍ، وَكَتَبَتْ فِي الدَّفْتَرِ: «أَنَا لَا أَطْلُبُ الْكَثِيرَ، أَطْلُبُ نَفْسِي فَقَط». وَأَغْلَقَتِ الدَّفْتَرَ كَمَا يُغْلَقُ الْعَهْدُ.
الْفَصْلُ الرَّابِع: الِانْكِسَارُ الْجَمِيلُ
لَمْ يَكُنِ الِانْكِسَارُ سُقُوطًا، بَلِ اعْتِرَافًا بِالتَّعَبِ دُونَ تَرَاجُعٍ. جَلَسَتْ قُرْبَ النَّافِذَةِ، قَالَتْ فِي سِرِّهَا: أَنَا مُتْعَبَةٌ، لَكِنِّي لَسْتُ نَادِمَةً. فَهِمَتْ أَنَّ الْقُوَّةَ لَيْسَتْ فِي الصُّمُودِ الدَّائِمِ، بَلْ فِي مَعْرِفَةِ مَتَى نُنْزِلُ السِّلَاحَ وَنُبْقِي الْقَلْبَ وَاقِفًا.
سَمَحَتْ لِنَفْسِهَا أَنْ لَا تَكُونَ مِثَالِيَّةً. لَمْ يَنْهَرِ الْعَالَمُ؛ اتَّسَعَ.
الْفَصْلُ الْأَخِير: اِمْرَأَةٌ وَصَلَتْ إِلَى نَفْسِهَا
لَمْ يَتَغَيَّرِ الْعَالَمُ، الَّذِي تَغَيَّرَ طَرِيقَةُ وُقُوفِهَا فِيهِ. لَمْ تَعُدْ تَشْرَحُ كَثِيرًا، وَلَا تُبَرِّرُ أَحْلَامَهَا. عَادَ الدَّفْتَرُ مَسَاحَةَ امْتِنَانٍ: ضِحْكَتُهَا حِينَ تَكُونُ وَحْدَهَا، وَقُدْرَتُهَا عَلَى الرَّفْضِ دُونَ قَسْوَةٍ.
فَهِمَتْ أَنَّ الْحُلْمَ جِسْرٌ لِلْعَوْدَةِ. لَمْ تَنْتَصِرْ عَلَى الْعَالَمِ، وَلَمْ تُغَيِّرْهُ، لَكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ خَاضِعَةً لَهُ. وَكَانَ ذَلِكَ أَجْمَلَ الانتصارات.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق