عندما يكون الحنين..وطنا
..إلى روح إبني ذاك البرعم الغض الذي انكسر قبيل قدوم الربيع..بعد أن استرددت برحيله حقي في البكاء..
في بعض الليالي لا نشتاق إلى أشخاصٍ بعينهم، بل نشتاق إلى تلك النسخة منّا التي كانت تضحك بصدق..نفتقد قلوبا كانت تؤمن بالحب أكثر مما ينبغي،ونفتقد أحلاما ظننا يوما أنها ستبقى. نكتشف متأخرين أن بعض الذكريات لم تكن مجرد لحظات عابرة،بل كانت وطنا صغيرا سكناه يوما… ثم غادرناه دون أن نودّعه.هكذا تعلّمنا الحياة: أن الأشياء الجميلة لا تدوم دائما،لكنها تترك فينا ما يكفي من الحنين لنكتب عنها طويلا.
ثمة أسئلة ثقيلة تزورنا في سكون الليل: لماذا نتحول إلى غرباء عن أنفسنا القديمة؟ كيف لنا أن نعبر جسور الزمن ولا نعود كما كنا؟!
الواقع أن النضوج ليس مجرد تقدم في العمر،بل هو سلسلة من الوديعات الصامتة.نودع براءتنا، ثقتنا الفائضة،ذلك اليقين الطفولي بأن الغد سيكون أجمل.وفي الزحام،ننسى أن نسأل: هل تلك النسخة منا ما تزال حية في مكان ما؟ أم أنها رحلت إلى غير رجعة؟
الغريب أن أكثر ما يؤلمنا ليس الفقد نفسه،بل اكتشافنا أننا كنا نملك من القلوب والأحلام ما يكفي لنصنع عوالم كاملة.الذكريات التي نظنها عابرة تتمدد فينا،تصير بيوتا نأوي إليها كلما اشتدت وحشة الحاضر.وكأننا لم نغادر تلك الأماكن حقا،بل حملناها معنا كظل لا يفارقنا.
ربما لهذا نكتب.لأن الحنين لا يريد رحيلا،بل يريد شاهدا.يريد من يقول: كنت هنا يوما،وكنت سعيدا. فالكتابة عن الماضي ليست هروبا منه،بل هي محاولة لإبقائه حيا،ومحاولة لفهم لماذا تركنا فيه أجزاء منا لا تستعاد.
لكن للحنين وجها آخر.فهو ليس مجرد ألم الخسارة،بل هو أيضا اعتراف بأننا كنا قادرين على الحلم،على الحب،على السذاجة الجميلة.أننا اختبرنا شيئا ثمينا يستحق الاشتياق.
كلما ضاق بنا الحاضر،نعود لتلك الذكريات لا لنعيش فيها،بل لنذكر أنفسنا بأننا نملك في أعماقنا مخزونا من الجمال كان يوما حقيقيا.
ولعل هذا هو ما تريد الحياة أن تعلّمنا إياه: أن الجميل لا يدوم،لكن أثره يدوم.وأن النضوج ليس فقدانا للبراءة بقدر ما هو تحويلها إلى ضوء خافت يرشدنا في ليالي الشتات.فلا بأس أن نشتاق لأنفسنا القديمة،فهي التي قادتنا إلى ما نحن عليه الآن.
إلى تلك النسخة منا التي لا تزال تضحك هناك في الماضي،إلى ذلك القلب الذي آمن كثيرا،إلى تلك الأحلام التي رحلت دون وداع: لا تحزني.فنحن لم ننسك.في كل مرة نشتاق فيها،نكون نزورك.وفي كل مرة نكتب،نكون نمد جسرا من الحنين بين ما كنتِ عليه وما صرنا إليه.أنت لستِ ذكرى فقط، أنتِ نبضنا القديم الذي يمنح هذا الحاضر جمالا لا يدركه إلا من عاش وطنا صغيرا ثم حمله معه أينما ذهب.
حين يصبح الحنين وطنًا
في بعض الليالي لا نشتاق إلى أشخاصٍ بعينهم، بل نشتاق إلى تلك النسخة منّا التي كانت تضحك بصدق. نفتقد قلوبًا كانت تؤمن بالحب أكثر مما ينبغي، ونفتقد أحلامًا ظننا يومًا أنها ستبقى. نكتشف متأخرين أن بعض الذكريات لم تكن مجرد لحظات عابرة، بل كانت وطنًا صغيرًا سكناه يومًا… ثم غادرناه دون أن نودّعه.
هكذا تعلّمنا الحياة: أن الأشياء الجميلة لا تدوم دائمًا، لكنها تترك فينا ما يكفي من الحنين لنكتب عنها طويلًا.
تلك الليالي التي تأتي دون استئذان، تحمل معها أطياف ماضٍ جميل، تعيد إلينا وجوهًا رحلت وأصواتًا صمتت وأيامًا ولت. نجد أنفسنا فجأة نتلمس ملامحنا القديمة في مرايا النسيان، نسأل: أين ذهب ذلك الطفل الذي كنا نحمله في داخلنا؟ وأين ذهبت تلك البراءة التي كانت تلبس الدنيا ثوبًا من نور؟
الحنين إذن ليس مجرد استعادة للماضي، بل هو بحث دائم عن أجزائنا المفقودة.نحاول جاهدين أن نلملم شتاتنا،أن نجمع بقايانا المتناثرة بين محطات العمر،لكننا نكتشف أننا غادرنا أنفسنا في كل مكان أحببناه،وفي كل قلب ضمنا يومًا بحب.
الحياة يا صديقي تمضي بنا إلى حيث لا ندري، تخلع عنا جلودا لنلبس أخرى،تنزع منا أحلاما لتمنحنا غيرها،لكنها تترك في أعماقنا بصمات لا تزول.قد نتغير،قد نتبدل،قد نصبح أشخاصا مختلفين تماما،لكن شيئًا من الماضي يظل يسكننا، كجذور شجرة معمرة لا تموت.
ربما لهذا نحتاج بين حين وآخر إلى أن نخلو بأنفسنا،نتصالح مع ذكرياتنا،نعترف بأننا اشتقنا، نسمح لأنفسنا بالبكاء أو الابتسام أو مجرد الصمت. فالحنين ليس ضعفا،بل هو دليل على أننا أحببنا يوما بصدق،وأننا كنا على قيد الحياة.
وربما كان الحنين في النهاية هو الثمن الوحيد الذي ندفعه مقابل أننا أحببنا بصدق،وأننا عشنا لحظات تستحق الذكرى.هو ليس مجرد ألم خفيف في زوايا الذاكرة،بل هو إثبات أن قلوبنا ما زالت تنبض،وأننا رغم كل الرحيل،لم نفقد القدرة على الشعور.فالحنين يا صديقي ليس دليل ضعف،بل هو دليل أننا كنا يوما هنا،وأننا أحببنا الحياة كما تستحق أن تُحب.وحين نشتاق،إنما نزور وطنا لا يعود،لكنه يبقى فينا… أبدا.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق