الخميس، 12 مارس 2026

غيمة لا تمطر بقلم الأديبة الليبية القديرة خديجة رمضان عبد النبي // صالون الأدب الراقي للشاعر خالد الساسي

 غيمة لا تمطر:-

في الأفق البعيد، حيث يلتقي الظلام بالضوء بطريقة لا يفهمها سوى القلب، ظهرت غيمة بيضاء اللون ، تتحرك ببطء وكأنها تتأمل العالم من بعيد، صامتة بلا مطر، تحمل في قلبها أسرار السماء، كالشوق الذي لم يجرؤ أحد على التعبير عنه، وكل الذكريات التي تنتظر اللحظة المناسبة لتظهر.
وقفت عند النافذة أراقبها، وهي تتلوّن بألوان السماء المتغيرة، وتتمايل مع نسيم الليل، وكأنها تهمس للعالم كله بما لا يجرؤ أحد على قوله: حتى الصمت هنا له صوت … وحتى الغياب يحمل حضوره في الروح.
فكل قطراتها المفقودة تشبه شعورًا يزور القلب دون أن يلمسه، فكل فكرة تتسلل من بين الظلال والضوء، تعطي إحساس لا يمكن التعبير عنه بالكلمات، ولكنه حاضر في كل خفقة، وفي كل لحظة، وفي كل ثانية تمرّ دون أن تدري السماء أو الأرض بما تحمل من أسرار.
وأحيانًا ينتابني شعور بأن الغيمة تشبه ما نحمله بداخلنا من مشاعر تختبئ خلف لغة الصمت، وأحلام تتوارى بين الأيام، وحب صامت، وشوق يكتفي بالانتظار،فهو لا يحتاج إلا أن يكون موجودًا، بل يزرع الأمل ويترك أثره العميق داخل القلب.
فالليل هنا يزداد عمقًا، والرياح تعانق الأغصان، والظلال تتلوّن على الجدران وكأنها تروي قصصًا لم يسمعها أحد.
فكل شيء حولي يهمس بلغة الانتظار، وبلغة الحنين، وبلغة الصبر التي يعرفها فقط من تعلم أن يراقب الحياة بصمت، ومن يعرف كيف يحنّ للغياب كما يحنّ للحضور.
والغيمة هنا صامتة لا تمطر، ولكنها تمنحني درسًا كل يوم: بأن الجمال أحيانًا لا يحتاج إلى مطر، وأن الحنين أعمق من أي لقاء، وأن الحب الحقيقي لا يُقاس بالكلمات أو اللقاءات، بل بما يتركه في القلب من أثر صامت مستمر، ينبض بلا توقف، ينتظر بلا توقف، ويحلم بلا حدود.
وأن انعكاس الغيمة علي الماء ، وأيضا وجود نسمة تهب عبر النافذة، تجعل القلب يفهم شيئًا واحدًا: أن الحب أعمق من أي لقاء، وأهدأ من كل الكلمات، وأصدق من أي فعل، وأن القلب الذي يعرف الحنين لا يضيع… حتى لو بقي صامتًا، ويراقب، وينتظر، ويحلم بلا حدود.
وهكذا تبقى الغيمة هناك، صامتة لا تمطر، لكنها تعلم أن لكل شعور أثره العميق، وأن لكل لحظة صامتة نبضها الخاص…
وفي نهاية الليل، حين يشرق أول ضوء الفجر، وتتلألأ الغيمة بخيوط فضية، وتذيب كل الحنين بصمت، فتشعر الروح بالسلام، ويعلم القلب أيضًا بأن الحياة مليئة بالأمل، وأن كل انتظار يحمل في طياته نورًا جديدًا، وأن الحب، مهما بدا بعيدًا، قادر على أن يضيء الطريق مرة أخرى.
بقلمي:- خديجة رمضان عبد النبي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق