امرأة من نور..
بين قيد العرف..وحرقة الانعتاق
(قراءة في نص الشاعر والكاتب التونسي القدير خالد الساسي.."مزايا المرأة واضطهادها" )
هنا،حيث تتراقص الحروف على جدار المعنى، يقف خالد الساسي شاهدا على جمال الأنثى ومعاناتها،ناقدا اجتماعيا بارعا يُمسك بجراح المرأة التونسية والعربية،ليحولها إلى لوحة فنية تتداخل فيها ألوان الوجع بألوان الأمل.
في نصه "مزايا المرأة واضطهادها"،لا يكتفي الشاعر بالاحتفاء السطحي بعيد المرأة،بل يُفجر السؤال الأعمق: كيف نكرمها بالكلمات في يومٍ واحد،ونحن نُكبلها بالأعراف طوال العام؟
إنها مفارقة مأساوية يُجيد الساسي صياغتها بلغة شاعرية تخترق الوعي.
يبدأ النص بانحناءة تكريم خالصة: "يتفتح الورد على الشرفات..تغدو الأرض أكثر دفئًا".هنا المرأة هي مركز الحياة،مصدر الدفء والصدق.لكن سرعان ما ينقلب السرد ليُظهر الوجه الآخر للمأساة: "قيّدوا خطاك بسلاسل العرف..استباحوا جهدك باسم السلطة".
هذه الثنائية المتقنة تكشف عبقرية خالد الساسي في الإمساك بالتناقض المجتمعي.إنه لا يكتب خطابا سياسيا مباشرا،بل يرسم لوحة مركبة من نور وظلال،ليقول إن تكريم المرأة لا يكتمل دون فضح آليات اضطهادها.
في أجمل انتقالات النص،يتحول الكاتب القدير خالد الساسي من سارد محايد إلى شاعر متصوف حين يشبه المرأة بـ"النخلة تعانق السماء بجذورها العميقة".هذه الصورة تحمل دلالة وجودية عميقة: الانعتاق الحقيقي لا يأتي من هدم الأرض،بل من التمسك بالجذور مع التمدد نحو السماء.
إنها رؤية تحررية لا تنفي الهوية،بل تؤسس لكرامة تنبع من العمق لا من السطح.
-اللغة بين الإيقاع والدهشة:
لغة الساسي في هذا النص تحمل نبرتين متداخلتين: نبرة رثائية حزينة حين يتحدث عن "القهر الذي يلبس ثوب القداسة"، ونبرة ثورية جامحة في الختام: "الحرية حق..الكرامة لا تُمنح، بل تُنتزع".هذا التداخل يُضفي على النص حيوية درامية تجعل القارئ يعيش صراع الأنثى بين الخضوع والتمرد.
ما يميز خالد الساسي في هذا النص وغيره،أنه لا يكتفي بأن يكون شاعرا يلتقط جماليات اللغة،بل يرتقي ليكون مؤرخا للوجدان الجمعي،وناقدا اجتماعيًا يُمسك بملامح اللحظة العربية بتعقيداتها.إنه يكتب من تونس،أرض الأنوثة المتجددة،لكنه يتحدث إلى كل امرأة عربية تبحث عن ذاتها بين طقوس التقديس ومواريث التهميش.
الكاتب والشاعر المتميز خالد الساسي الساسي في نصه هذا يُذكرنا بأن الكتابة الحقيقية هي تلك التي لا تخشى المواجهة،التي تخلع عن المرأة "عباءة المزايا" الزائفة لترى تحتها جسدا يعاني، وروحا تتحرق شوقا للحرية.إنه يُنصف المرأة ليس بمنحها عيدا،بل بكشف زيف الأعياد التي تخفي اضطهادًا مستمرا.
وفي زمن تتعدد فيه الأصوات وتتباين المواقف، يبقى صوت خالد الساسي شاهدا على أن الأدب التونسي ما زال قادرا على حمل قضايا الإنسان بصدق،وأن الكلمة حين تكون عميقة وجريئة، تتحول إلى نخلة تمد جذورها في الأرض وفروعها في السماء،تماما كما وصف امرأته..تماما كما هو نفسه.لأن الكتابة عنده ليست حبرا على ورق،بل نخلة تعانق السماء بجذورها العميقة.
هكذا هي المرأة..كالنخلة،كلما اشتدت عليها الرياح، ازدادت تمسكا بالأرض وارتفاعا نحو السماء.وفي قلم خالد الساسي،تتحول مأساتها اليومية إلى ملحمة كونية،وتصبح آلامها الفردية قضية إنسانية كبرى.وباقتدار الحكيم وحساسية الشاعر،استطاع الساسي أن ينحت من حروفه مرآة صادقة لواقع المرأة العربية،وفي الوقت نفسه،نافذة مضيئة نحو مستقبل أكثر عدلا وإنصافا.
وهكذا،بين يدي نص كريم كهذا،لا أملك إلا أن أقول إنصافا لهذا القلم التونسي الأصيل: لقد حاولت أن أكون ظلا وفيا لشمس كلماتك،وغلافا جميلا يليق بكتاب روحك.فإن كنتُ قد وفقت في نقل نبض حروفك إلى القلب،فذلك لأن البحر إذا تحدث لا يستطيع النهر إلا أن يصغي بخشوع.
وهكذا،يبقى الشاعر والكاتب التونسي الفذ خالد الساسي،بقلمه الذي لا يعرف المداهنة،شاهدا على أن المرأة ليست مجرد قضية تُطرَح في مناسبة، بل هي أفق وجوديٌّ تتجلى فيه مفارقاتنا الكبرى: بين ما نُقدِّس بالكلام وما نُمارس بالفعل،بين أنوثة نُحمِّلها أسطورة الخصوبة وأخرى نُحمِّلها وزر التقاليد.
في نصه،تتحول "مزايا المرأة" من عباءة تمويه إلى سؤال مفتوح على جرح جماعي،وتنقلب "الاضطهادات"من أكياس رملية نُغطي بها الحقيقة إلى حقول ضوء تُنبت وعيا.إنه يكتب ليُذكِّرنا بأن الكرامة لا تُمنح في الأعياد،ولا تُختزل في الخطابات،بل تُنتزَع من صمت التاريخ،وتُنتَحَت من معاناة يومية،كما تنتحت النخلة جذعها في وجه الرياح.
بهذا المعنى،لا يكون النص مجرد احتفاء،بل يكون تأريخا للروح العربية وهي تتشقق بين قديم وحديث،وبين نخلة تُعانق السماء وأخرى تُقطع من الجذع.وخالد الساسي،في هذا كله،ليس كاتبا فقط، بل مرآة تعكس ما لا نجرؤ على رؤيته،وصوت من طين وذهب،يصر على أن الجمال الحقيقي لا يكتمل دون عدالة،وأن الأنثى لن تكون مُكرَّمة حقا حتى تصبح شريكة في صنع المعنى،لا مجرد رمز يُرفع في يومٍ ويسقط في باقي الأيام.
محمد المحسن
نصّ نثري على السريع بمناسبة عيد المرأة هدية لكل نساء الأرض بدون استثناء
نصّ نثري على السريع بمناسبة عيد المرأة هدية لكل نساء الأرض بدون استثناء
بقلم الشاعر خالد الساسي تونس
مزايا المرأة واضطهادها
في عيدكِ يا امرأة، يتفتّح الوردُ على الشرفات،
وتغدو الأرضُ أكثر دفئًا، أكثر صدقًا، أكثر حياة.
أنتِ الأمُّ التي تُنبتُ الرحمة،
والأختُ التي تُسندُ الجدار،
والبنتُ التي تُضيءُ البيتَ بضحكتها،
والزوجةُ التي تُعيدُ للنهار معناه.
في عيدكِ يا امرأة، يتفتّح الوردُ على الشرفات،
وتغدو الأرضُ أكثر دفئًا، أكثر صدقًا، أكثر حياة.
أنتِ الأمُّ التي تُنبتُ الرحمة،
والأختُ التي تُسندُ الجدار،
والبنتُ التي تُضيءُ البيتَ بضحكتها،
والزوجةُ التي تُعيدُ للنهار معناه.
لكنهم يا امرأة،
قيّدوا خطاكِ بسلاسل العرف،
وأغلقوا أبوابَ الروح باسم الدين،
واستباحوا جهدكِ باسم السلطة،
فأنتِ في نظرهم ظلٌّ، لا شمس،
وصوتٌ مكتوم، لا نداء.
قيّدوا خطاكِ بسلاسل العرف،
وأغلقوا أبوابَ الروح باسم الدين،
واستباحوا جهدكِ باسم السلطة،
فأنتِ في نظرهم ظلٌّ، لا شمس،
وصوتٌ مكتوم، لا نداء.
كم صبرتِ على قهرٍ يلبسُ ثوبَ القداسة،
وكم واجهتِ ظلمًا يختبئُ خلفَ نصوصٍ جامدة،
وكم حملتِ أعباءً لم يعترف بها أحد،
بينما هم يقطفون ثمارَ تعبكِ،
ويُسجّلون أسماءهم على جدار المجد.
وكم واجهتِ ظلمًا يختبئُ خلفَ نصوصٍ جامدة،
وكم حملتِ أعباءً لم يعترف بها أحد،
بينما هم يقطفون ثمارَ تعبكِ،
ويُسجّلون أسماءهم على جدار المجد.
لكنّكِ، رغم كلّ شيء،
تنهضين كالنخلة،
تُعانقين السماءَ بجذوركِ العميقة،
وتُعلنين أن الحريةَ حقّ،
وأن الكرامةَ لا تُمنح، بل تُنتزع.
تنهضين كالنخلة،
تُعانقين السماءَ بجذوركِ العميقة،
وتُعلنين أن الحريةَ حقّ،
وأن الكرامةَ لا تُمنح، بل تُنتزع.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق