الجمعة، 13 مارس 2026

شظايا الإغتراب بقلم الأديبة الفاصّة التونسية القديرة حياة بربوش الشاعرة // صالون الأدب الراقي للشاعر خالد الساسي

 

شظايا الاغتراب...

كنت كقطّة سوداء متكوّرة حول نفسي...
المطر يهطل مدرارا وكان دمعي معه ينسكب،زخّاته سوداء تنتحب تكابد الآلام ...
كان صوت النّار المنبعث من المدفئة وهي تلتهم الحطب تكوي جسدي الهزيل الذّي ذبل ...لم أعد أنا،ولكنّي سأقاوم،هذه اللّيلة بالذّات لا بدّ أن أقاوم ...الرّيح في الممرّات تعوي عواءً موجعا اشمّ فيه رائحة الثّكل، رائحة القهوة وهي تغلي تبدو وكأنّها إيقاع تلك اللّيلة التّي رقصنا على نوتاتها...انتظرنا بصبر حتّى تلين لنا وتستسلم،قهوة مرّة تعوّدتْ على بلور شفتيّ المنكسر وأنا أنتحب وقلبي ينزف ودمعي يهطل، وتعوّدت انا على سوادها الذّي كان يغريني بالسّكن فيه،ليال وليال وأنا أحاور فنجاني المكتوب في جوفه كلمات مفاتيح ثلاث:"الحنين،الغربة، الوداع" كنتَ في اللّقاء الأخير تنظر إلى سواد شعري وقد بدأت شعرات بيضاء لك وحدك تبتسم...
كنتَ تقول لها في غفلة منّي"كلّ الجمال فيك"وكنتَ في سرّك تتمنّى أن أستفيق ذات صباح وقد غزاني الشّيب والتهم منّي ما تبقّى من أيّام العمر بين أحضانك...
كنتَ في لحظات الانتشاء تتفرّسني وكأنّنا سنفترق دون عودة، تمتلىء بذاك البريق،بريق كان ينتشر في الزّوايا فيفسد على العتمة طقوسها...كنتَ تمتم"ياله من نور ملك عليّ روحي، سلب الهدوء من كلّ حواسي،بعثر وقار رجل يهوى العبث بخصلات شعر متموّج"كنتُ أقرأ ويروقني بروح الشّاعرة أن أتلاعب بمشاعرك المضطربة لحظة ثورة بركانيّة قرّرت أن أزفّك إلى تربة سوداء تنتحب تكابد آلام الثّكل على صغير لم يحتلم ثديها ....كنتُ أرمقك وأنتَ ترمقني تشوّقني بألف حكاية وحكاية،وألف نهاية ونهاية،أن انكسر بين ذراعيْك، وصوتي انكساري معزوفة أحيا بها بين دهر و دهر...
كنتَ تتحسّس ترسيمة وجهي بأناملك الرّقيقة، وكنتُ أستعذب ذلك منك وأقول لروحي"دعيه فالعمر كبرق خلّب يأتينا ذات شتاء وقد يغيب إلى الأبد حينها سيقتلني الومد والكمد"...اشتّد وابل المطر،سياط تجلدني،تعذّبني،توقظ الذّكريات فيّ...
ذكريات هي كلّ ما أملك بعد رحيلك...
رجوتك أن تبقى، لأنّ رحيلك موجع لا أقوى عليه، رجوتك أن تسكن فيّ فأنا الوطن والأنثى والمنفى ...قلتَ لي" تكفيني منك
خصلة من شعرك اشمّ عطرك فيها" فقصصتُ لك كلّ الضّفيرة،قلتَ" أنتِ الدّم السّاري في شرياني" فقطعتُ شرياني فتدفّق مدادا كتبت به اسمك وشما على جسدي،قلتَ "لن أنساك يا قرّة عيني " فذرفت عيني الدّمع عليك حتّى أصابها العُوار، قلتَ " لا تحزني يا عمريَ الباقي، سأعود مع الرّبيع"مرّ ربيع تلاه ربيع تلاه ربيع لكنّك لم تأتٍ،لم تف بوعدك..
كلّ الرّسائل التّي كنتُ اكتبها لك أخفيها عن العيون،عيون لم أكن أرمق فيها الفضول بل ملآى ذبولا لم أكن لأدرك معناه إلاّ ليلة عيد ميلادك...امتلأت حرقة وغصّة حين سمعت امّك تدعو لك بالرّحمة وتزكّيها أمّي فتقول"آميين" ما هذا الهراء والرّسائل التّي كانت تصلني من يكتبها؟من يدبّجها؟من يعطّرها؟ من السّارد فيها عن هيامه بي، وشوقه لي، وعشقه المجنون بي؟منْ...منْ..منْ...
سألتهم سؤالا واحدا وطلبت جوابا واحدا..منْ المرحوم؟قالوا"مات في تحطّم الطّائرة ليلة الوداع"....
من يومها ودّعته...ودّعتُني...
وماتت رغبتي في تلافيف الظّلمة الأبديّة...
راهبة صرت لا أعرفني في دير العذارى غريبة منفية...
القاصّة:د. حياة بربوش

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق