وقفة على قبر أبي
شاءت الاقدار أن تأخذه يد المنون في عز شبابه، وتنأى به بعيدا بعيدا عن أسرة، ساعتها وهم صغار ولا من معيل لها سواه؛ ليكون متواه الأخير بمقبرة هناك وسط المدينة، أحيلت على التقاعد مند زمان، ولم يتبقى منها إلا سورا بلا باب ولا بواب، يشهد على أن أشخاصا مروا من هنا، مجرد طلل صامد ضدا عن نوائب الدهر وزحف العمران.
خاف على نفسه ان يتيه وسط زحمة الأموات، ولا من مسلك سالك يعفيه وزر زلة قدم ورفات العباد على قدم وساق، يكاد المكان يضيق درعا بهم وسط نبات طلح، أبى إلا أن يرخي بأشواكه أرضا، ولم يدع أي شبر إلا وغمره بالكامل.
التفت يمينا ويسارا لعل في هذا وذاك تمة اشارة، تعفيه مغبة رقم على رسم طواه النسيان، ولا يملك من أمره غير تذكار نقش بأحرف غائرة، إبان دفنه على حيز من الجانب الأيمن على ذلك السور، مازال عالقا في ذهنه رغم قدم الحدث وتوالي السنون، دلالة منه على أن قبر الوالد من هنا.
ساعتها انبرى أمامه شخص غريب الأطوار، لم يدري من أي ثقب خرج عليه، تولى أمر العثور على قبر أبيه وتنحى جانبا غير بعيد، ليترك له تلك الخلوة المنشودة.
اغرورقت عيناه بالدموع، تلعثم لسانه عن الكلام، وفي صمت ارتجل أدعية، ومن غير ان يدري مدت أصابع يديه، تزيح ما علق من أشواك وأثربة على سطح قبر أبيه؛ وكأن جميع جوارحه أبت ساعتها إلا أن تكون في الخدمة حاضرة هنا بالذات.
لم يطل به المقام هناك كثيرا؛ إذ أحس بقشعريرة تدب في كيانه، والليل يكاد يرخي بسدوله، ساعتها بدا المكان يعج بحركات مشبوهة وأشباح لا قبل له بها.
خاف على نفسه، وقفل على إثرها راجعا، يتخطى القبور على أقل من مهل، وذلك الشخص يقتفي أثره كظله، ولم يحيد عنه إلا على بقشيش وزيادة، ليتفاجأ عند مخرج المقبرة بمحافظها، ينتظره على أحر من الجمر؛ وكأننا أمام تبادل للأدوار، واستئثار بالمكان وأهل المكان، والعاقبة سيان، نسيا منسيا والعواذي بالله...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق