الثلاثاء، 31 مارس 2026

وأنت يا مهجة الروح السؤال الذي لا جواب له بقلم الأديب التونسي القدير محمد المحسن // صالون الأدب الراقي للشاعر خالد الساسي

 وأنت يا مهجة الروح..السؤال الذي لا جواب له..

الإهداء:إلى روح لم تمت..بل عادت إلى عناق السماء..
تصدير :
يقولون إنهم دوّنوا تاريخ وفاتك قبل ساعات،لكن قلبي يسأل عن تاريخ ميلادك.أكان بالأمس،حين كان العالم سعيدا،أم كان قبل أن يخترعوا لك تاريخ رحيل؟ يا غسان،يا من حيّرت الموت بحضورك.أمك لا تزال تشعر بدفء حليبها فيك، وأبوك تمرّس على المآسي إلا فراقك.أنت لست راحلا،أنت زمن عاش بين النهدين والكفن،بين قبلة الحياة وصلاة الموت.رحماك بهم،يا رب،فقد أنجبت لقلوبهم طفلا،وأعدته إلى الأرض طينا،فاجعل في هذا الطين بذور صبر لا تموت..
يقولون أنك متّ-يا غسان- مُتّ..!!
متى وُلدت..؟!
متى عشت.. ؟!
متى رويتنا من غدير عينيك.. ؟!
متى رحلت.. !
يا قرة عين محمد..
يا فاجعة سعاد..
يا زهرةً ما استدلّت النحلات لرحيقك..
متى حبَوت.. ؟!
متى مشيت.. ؟!
متى كبرت.. ؟!
متى.. ؟!
ثم..متى..؟!
لا أذكر تاريخ مولدك..
يا مهجة الروح..
بالأمس كان..؟
أم قبل ميلاد تاريخ وفاتك..؟
ذاك الذي دوّنته قبل ساعات..
حين أبلغوني أنك قد رحلت.
أبكيت أمك..
أبكيت والدك..
تدري من هو والدك..
رجلٌ تمرّس على المآسي..
تهزّه الأرض هزًا..
أبكيت محمدًا يا ابن محمد..
أبكيت سيّدة النساء..
أبكيت أنجال الرجال..
أبكيت من أبكاهُم الفراق..
يا ويلها الأم في ليل الدجى..
يا ويلها صاحبة العزاء..
بالأمس وضعتك وليدها..
واليوم تُلبسها ثوب الحداد..
يا فاجعة بلدي..
يا زمنا كان بالأمس سعيدا ..
يا صبرًا سندعوه لقلبها..
يا قوةً سندعوها له..
يا غافرًا..
رُحماك له..
يا رحيمًا..
رفقًا بهم.
رفقا بي
رفقا بأمك التي أرضعتك لبنا طازجا
وعدت إلى الأرض طينا..
كما أنجبتك السماء..
محمد المحسن
ويمضي غسان..كما يمضي القمر في ليلة رعد، وكما تذبل الزهرة قبل أن تعرف النحل طريقها إليها.تمضي وأنت السؤال الذي لا جواب له، والحكاية التي بدأت قبل أن تُروى.بين يديك الطين وبين عينيك السماء،وأنت هناك حيث لا تاريخ يوثق ميلادا ولا شاهد قبر يسجّل رحيلا. فهل متّ يا غسان..أم أننا نحن من نموت فيك كل يوم؟ رحمك الله يا من عدت إلى الأرض طينا..كما أنجبتك السماء روحا..
قلت يمضي غسان..لا كمن رحل،بل كمن عاد إلى سؤال الميلاد الأول.
بين يديه الطين،وبين عينيه السماء،وحده يعرف أن الموت ليس نهاية الطفولة،وأن الحكاية تبدأ حيث ينتهي التاريخ.فلا وطن يحضن إلا من يموت فيه،ولا سماء تنتظر إلا من عاد إليها طفلا.
رحمك الله يا من أنجبتك السماء مرتين:
حين ولدت للدنيا،وحين عدت إليها روحا..
آمين


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق