الجمعة، 13 مارس 2026

مصرع الرصانة وميلاد الغريق بقلم الاديب التونسي القدير بلحسن الحفصي // صالون الأدب الراقي للشاعر خالد الساسي

مصرع الرصانة وميلاد الغريق


إليكِ، أيتها القادمةُ من خلفِ حُجبِ الغيبِ
أخبريني بربكِ مَن أنتِ؟ ومَن تكونين؟ وكيف استطعتِ بلمحةِ بصرٍ أن تفتحي أبواباً كنتُ قد أوصدتها بسبعةِ أقفالٍ من الحذر؟ لقد جئتِ كعاصفةٍ رقيقةٍ، بعثرتِ أوراقي التي أفنيتُ عمري في ترتيبها، وأزحتِ عن كاهلي غبارَ سنينٍ طوال، ظننتُ فيها أنني بـمنأى عن زلازلِ القلوب.
كنتُ مستفرداً بوحدتي، متباهياً بتعاليّ على هذا الوجدِ الذي يدمي الحنايا، أرقبهُ من بعيدٍ كحكيمٍ يخشى الغرقَ، فأتجنبُ خوضَ غمارِه. كنتُ أعيشُ بين دفاتِ كتبي القديمة، أقتاتُ على ألحانِ الأمسِ، وأتغنى بـ "كلاسيكياتي" التي كانت لي وطناً وحبيباً صادقاً.. كنتُ ملكاً في مملكةِ صمتي، أُقدّسُ تقاليدَ العشاقِ الأوائل، حتى نعتوني بـ "الأنتيكا" فخراً بجمودي ووقاري.
ولكن.. واضيعةَ العزمِ!
ما إن لمحتُ طيفكِ، حتى انهارت قلاعُ "الأنتيكا" وسقطت حصونُ الرصانة. أين ذهبت تلك الكنوزُ الثمينةُ من أوراقي؟ لقد أضحت في عيني هباءً منثوراً، وألقيتُ بكلِّ ماضٍ أثيلةٍ خلف ظهري، ليصبحَ كوني كلهُ مختصراً في صورةٍ منكِ، أو نبضةٍ من ذكركِ.
يا ويحَ قلبي! كيف لرجُلٍ تمسّك بوقارِ الخمسين وتجاربه،
أن يعودَ في حضرتِك مراهقاً في الخامسةِ عشرة،
يرتجفُ كعصفورٍ بللهُ المطر لماذا الآن؟
لماذا في هذا الوقتِ الذي ظننتُ فيه أني استكملتُ نصابي من الحكمة؟
فباللهِ عليكِ، فُضّي هذا الاشتباك، وأخبريني :,
ما الذي يميزُكِ عن العالمين؟
وكيف سكنتِ فيَّ وأنا الذي لم أفسح مكاناً لأحدٍ منذ دهر؟
@أبرز المعجبين
مَن أنتِ.. يا عابثةً بوقارِ "الأنتيكا"؟
أَمِنَ الغريبةِ لوعةٌ تـغـتـالُـكَ؟ ... وأراكَ تُـنكرُ مـا جَـنـتْ آمـالُـكـا
عصفتْ بأوراقِ السنينِ كـأنـما ... ذَرَتِ الرياحُ - لِمرأها - أطلالُـكـا
ما كنتَ "أنتيكاً" يلوذُ بصمتِهِ ... حتى أباحَ حصونَـكَ اشـتـعـالُـكـا
خمسٌ وعشرٌ في هواها أرّختْ ... وجعَ الكهولةِ إذْ غزا خَـبـالُـكـا
مـا بـالُ كـنزِكَ صارَ دونَ وجودِها ... تـفـهـاً، وبـانَ بـبـعـدِها إهـمـالُـكـا؟
يا ويحَ قلبي! كيفَ تـهـدمُ هيبةً ... كبُـرتْ، ليُـبنى بالهـوى أطـفـالُـكـا؟
أخـبرْ بـربّـكِ مـنْ تكونُ؟ ومـا الذي ... جـعـلَ الـبـريّـةَ كـلّـهـا تِـمـثـالُـكـا؟
.بقلم بلحسن الحفصي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق