الاثنين، 16 مارس 2026

ليلة القدر حين تتعانق السماء بالأرض بقلم الاديب التونسي القدير محمد المحسن

 

ليلة القدر..حين تتعانق السماء بالأرض

هناك في زوايا الزمن الغائبة عن حسابات البشر، ليلة لا تشبه الليالي.ليلة تتنفس فيها الملائكة هواء الأرض،وتهبط فيها البركات كالمطر،وتُكتب فيها أقدار السنة بحكمة الذي لا يشغله شأن عن شأن. إنها ليلة ليست كسائر الليالي،ليلة يتحول فيها الزمن العادي إلى كتلة نورانية من الرحمة،ليلة يتساوى فيها الليل كله بسلام يمتد من مغيب الشمس حتى مطلع الفجر.
ليلة القدر..ذلك السر الإلهي الذي أودعه الله في ثنايا العشر الأواخر من رمضان،ليكون للمؤمنين موعد سنوي مع الخير الذي لا يحيط به وصف، ومع الرحمة التي لا تحدها حدود.
حين نتأمل تسمية هذه الليلة بـ"ليلة القدر"،نقف أمام أبعاد متشابكة من المعاني التي تمنحها عمقا لا ينضب.فهي ليلة القدر بمعنى الشرف والعظمة، إذ أنزل فيها قرآن ذو قدر على نبي ذي قدر،لأمة جعلها الله خير أمة أخرجت للناس.وهي ليلة القدر بمعنى التضييق،كما في قوله تعالى "ومن قدر عليه رزقه"،لأن الأرض تضيق بالملائكة الذين ينزلون فيها بكثرة،حتى ليزحم بعضهم بعضا.
وهي قبل ذلك وبعده ليلة التقدير والتدبير الإلهي، حيث يُفصل فيها من اللوح المحفوظ ما سيكون في السنة من آجال وأرزاق،وأفراح وأتراح،كما قال تعالى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)(الدخان: 4).
في هذه الليلة يمسك القلم الإلهي بيد القدر، ويكتب للبشرية صفحات عامها الجديد.
لقد خص الله هذه الليلة بسورة كاملة تتلى إلى يوم القيامة،تبدأ بصيغة العظمة الإلهية:
(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5) (سورة القدر).
تأمل هذا الأسلوب القرآني البديع: يبدأ بـ"إنا" الدالة على العظمة والجلال،ثم يسأل سؤالا يستوقف العقول: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ})،إنه سؤال يهدف إلى تضخيم المعنى في النفوس، وإثارة الدهشة التي تسبق الإدراك.ثم يأتي الجواب صاعقا: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ).
هذا التحديد بـ"ألف شهر" ليس مجرد رقم عابر. إنه يحمل في طياته رسالة عميقة للأمة المسلمة. ألف شهر تعادل ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر . إنها عمر إنسان كامل يعيش عمرا مديدا.ليلة واحدة تعادل عمرا بكامله! ما هذا الفضل العظيم؟!
لقد تنوعت أقوال المفسرين في سبب هذا التحديد.ذكر بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر،فعجب المسلمون من ذلك، فأنزل الله هذه الآية.وقيل إنه كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل ويجاهد النهار ألف شهر، فجاءت هذه الليلة تعادل كل ذلك الجهاد .
وهناك قول آخر يروى عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أُري بني أمية على منبره فساءه ذلك،فنزلت هذه السورة تبين أن ليلة القدر خير من ألف شهر هي مدة ملك بني أمية.وإن كان هذا الحديث محل نظر عند المحدثين،إلا أنه يلفت النظر إلى معنى آخر: أن الزمن السياسي بكل جبروته لا يساوي شيئا أمام ليلة من ليالي الله.
ثم يرسم القرآن مشهدا مهيبا لا تستوعبه العقول: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ).الملائكة بأجنحتها النورانية تنساب من السماء إلى الأرض،تملأ الأرجاء،تخترق الحجب، تحيط بالذاكرين والقائمين والمستغفرين.والروح هو جبريل عليه السلام،أمين الوحي،ينزل في موكب الملائكة الكرام .
إنه مشهد كوني فريد،تتعانق فيه السماء والأرض، ويهبط عالم الغيب ليلامس عالم الشهادة،ويشهد الملائكة بني آسان وهم يعبدون ربهم في جوف الليل.
وتختم السورة بهذه الآية المطمئنة: (سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ).سلام من كل آفة،وسلام من كل شر،وسلام من الشياطين فلا يستطيعون فيها سوءا.سلام يغمر المؤمنين،وسلام يكتب لهم حتى مطلع الفجر.
وفي هذا إشارة إلى أن هذه الليلة ليست مجرد لحظات عابرة،بل هي حالة من السكينة الإلهية تمتد لتغمر الليل كله.إنها هدنة كونية مع الرحمن، تبدأ بغروب الشمس وتنتهي بطلوع الفجر.
لقد ترك الله للمؤمنين علامات يستدلون بها على هذه الليلة،لا ليتيقنوا منها بعد فواتها،بل ليزدادوا شوقا إليها.من هذه العلامات ما رواه أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها" .
كما أن من علاماتها الطمأنينة التي يشعر بها المؤمن،وانشراح الصدر،ولذة العبادة التي لا يجدها في غيرها.فهي ليلة اعتكاف القلوب قبل الأبدان، وسجود الأرواح قبل الجوارح.
في ليلة القدر،لا نستذكر فقط نزول القرآن،بل نستحضر أقدارنا الجديدة التي تكتب في صحائف السماء.إنها لحظة مصيرية نُمسك فيها بأقلام الملائكة لنكتب مستقبلنا بدموع التوبة وصدق الدعاء.
ليلة القدر هي سر الله في خلقه،وهديته للأمة المحمدية.إنها دعوة مفتوحة لكل نفس ضاقت بها السبل، لكل قلب أنهكه التعب، لكل روح تبحث عن معنى. في هذه الليلة، يتسع الزمن ليحتضن أعماراً من العبادة، وتتكثف اللحظات لتصبح عمراً من النور.
اللهم اجعلنا من عتقائك في هذه الليلة،واكتب لنا فيها قدرا جميلا،واغمر قلوبنا بسكينة تطمئن بها الأرواح،وتشرق بها الدروب.إنها الليلة التي يلتقي فيها العبد بربه،فتصبح الأرض سماء،ويصبح الليل نورا.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق