الخميس، 9 أبريل 2026

أحداث 9 افريل 38 بتونس بقلم الأديب التونسي القدير محمد المحسن // صالون الأدب الراقي للشاعر خالد الساسي

 

9 أفريل: تلك الندبة التي لا تندمل..

حين صار الجسد التونسي قصيدةً للحرية
ليس يوم 9 أفريل 1938* مجرد تاريخ في ذاكرة التونسيين،بل هو جرح نازف لم يلتئم رغم مرور عقود،وشهيق جماعي لم يكتمل بعد.إنه لحظة تحوّل فيها الألم إلى وعي،والدم إلى حبر،والجسد التونسي إلى أول قصيدة حرة كُتبتْ على رصيف الإقامة العامة بالعاصمة.
في ذلك اليوم المشؤوم،لم يكن المتظاهرون جنودا مدربين ولا نخبا تخطط خلف الستائر،كانوا باعة متجولين،نساء خرجن من فجاج المدينة العتيقة،شبابا تعلقوا بثياب المناضل علي البلهوان كمن يتعلق بآخر جسر بين اليأس والأمل.
صرخوا: "نريد برلمانا تونسيا"، لكن الفرنسيين ردوا عليهم بالرصاص.فسقطت الأجساد،ونهضت الأسطورة.
لكن السؤال الذي يظل يئن في خاصرة الذاكرة: هل استحق أولئك الشهداء ألا ننساهم في طيات النسيان الرسمي؟ هل اكتفينا بتسمية شارع هنا، وإلقاء خطاب هناك،بينما تتعفن جراحهم في صمت المقابر الجماعية؟!
المفارقة أن الاستعمار الفرنسي،الذي أطلق الرصاص على المتظاهرين العزل،لم يقتل فقط أجساد الـ22 شهيدا،بل حاول قتل فكرة أن التونسي قادر على أن يكون سيد قراره.
لكن الجثث التي سقطت على أرض قصر العدالة تحولت إلى نصوص متمردة تقرأها الأجيال كلما شعرت أن روح الانتماء تغادرها.
الشهيد في ثقافتنا ليس ميتا،بل شهيدا حيا عند ربه،لكن الأهم: أنه حي في ضمير الأمة.فهل ضميرنا اليوم حي؟ أم أننا نحتاج إلى 9 أفريل جديد لنتذكر أن الحرية لا تُمنح،بل تُنتزع بدماء من لا يملكون سوى إيمانهم وصدورهم العارية؟! هذه الذكرى ليست ماضيا نستحضره،بل مرآة نرى فيها كم ابتعدنا عن روح أولئك الذين ضحوا بكل شيء،ونحن نتنازع على فتات الكرامة.
فليست الذكرى إذن بكاء على الماضي،بل وقفة تأمل في مرآة الدم: هل ما زلنا أهلاً لتلك التضحية؟!
هل نحن حراس ذلك الجرح المقدس،أم أن الزمن حوّل الشهداء إلى أرقام في متحف البطولة الرسمية؟!
كل 9 أفريل تعود الأرواح لتسألنا سؤالا لا يموت: بأي وجه نلتقي الله وبيننا دم لم يزل يغلي في شرايين الذاكرة؟!
لنختم صمتنا بصلاة مختلفة هذه المرة: لا نطلب لهم الرحمة فقط،بل نطلب لأنفسنا العزم على ألا نكون أقلّ من استحقاق دمائهم.
رحم الله من سقطوا حياة فينا،وأخزى الله قلبا ينام عن نبض شهيد.
محمد المحسن
*أحداث 9 أبريل 1938 هي أحداث حصلت في تونس وسط احتجاجات شعبيّة طالبت بإصلاحات سياسية، بما في ذلك إنشاء برلمان، كانت هذه الأحداث خطوة رئيسية نحو استقلال تونس التي كانت لا تزال تحت الحماية الفرنسية. لم يستطع الاحتلال الفرنسي خلالها استعادة الهدوء إلّا بعد سقوط العديد من الشهداء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق