الثلاثاء، 3 مارس 2026

رجل القشّ بقلم الأديب الجزائري القدير هشام بالعروي // صالون الأدب الراقي للشاعر خالد الساسي

 

ترانيم الحروف 4890

قصة قصيرة...
ــــــــ رجل القش ــــــ
في ساحة المدينة الإسفلتية نصبت الفزاعة الأولى كبدلة رسمية محشوة بقش المصلحة العامة. ظل رجل القش ممدود الذراعين يمتص صمت الموظفين حتى اقترب منه شاعر يسكن زاوية المقهى. ألقى الشاعر في صدر الفزاعة سؤالا عن الكلمات المخبوءة تحت القش فارتجفت أطراف البدلة وانخفضت الذراعان الممدودتان إعلانا عن بدء التفكير.
​أفزع هذا الانحناء حراس المدينة فأحرقوا رجل القش في الفجر. اشتعلت الفزاعة بصمت وتطايرت من أحشائها قصائد وأسئلة مؤجلة. ومن هذا الرماد ولد نظام جديد؛ نصبوا فزاعة ثانية حشوا صدرها بقصاصات الشاعر الممزقة ورفعوا فوقها لافتة الأمن أولا ظنا منهم أنهم سجنوا الثورة داخل الجسد الخشبي.
​في تلك اللحظة ظهر بائع المرايا في الزاوية المقابلة. توقف أمام مراياه عابر أرهقه الركض فرأى في الزجاج حقيقة القش الذي بدأ ينمو في صدره. احتضن العابر المرآة ومشى بها وسط الزحام محولا إياها إلى عين ثالثة تكشف العرايا. كان كلما اقترب من شخص انحنى ذلك الشخص خوفا من مواجهة وجهه الحقيقي حتى بدت الساحة كحقل سنابل ساجدة أمام ريح الحقيقة.
​وصل العابر بمرآته إلى مواجهة الفزاعة الجديدة. حين التقت عين المرآة بعيني رجل القش المحشو بالكلمات حدث انفجار الصمت. الكلمات الممزقة في الداخل عرفت نفسها في الزجاج فاستعرت من جديد فالحقيقة تشتعل حين تجد من يجرؤ على النظر إليها مباشرة.
​راقب الشاعر من مقهاه هذا الاحتراق كتب على فاتورته: شكرا للمرايا التي جعلت القش يرى في نفسه حريقا. غادر مكانه سار عكس الحشود المنحنية متواريا في الزحام مع العابر ومرآته. تركوا الساحة خلفهم تبحث عن قش جديد بعدما أدرك الجميع أن الكلمات التي تسكن الصدور تتحول إلى نيران بمجرد أن تجد مرآة صادقة.
هشام بلعروي (الجزائري)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق