ليان الفصل الثالث .. صمت التعلّق بقلم الأديبة التونسية القديرة مريم مريم
✦ الفَصْلُ الثَّالِثُ: صَمْتُ التَّعَلُّقِ.
لَمْ يَكُنْ مَا تَشْعُرُ بِهِ وَاضِحًا، وَلَا مُسَمًّى، لَكِنَّهُ كَانَ يَكْبُرُ. بِبُطْءٍ، وَبِشَكْلٍ لَا يُلَاحَظُ، كَأَنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِهَا يَتَشَكَّلُ دُونَ إِذْنِهَا.
لَمْ تَكُنْ تُفَكِّرُ فِيهِ كَثِيرًا، لَكِنَّهُ كَانَ يَحْضُرُ فِي كُلِّ تَفْصِيلٍ: فِي الطَّرِيقِ، فِي القَاعَةِ، فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الصَّامِتَةِ الَّتِي لَا يَحْدُثُ فِيهَا شَيْءٌ… وَيَحْدُثُ فِيهَا كُلُّ شَيْءٍ.
أَصْبَحَتْ تَنْتَبِهُ لِمَا لَمْ تَكُنْ تَنْتَبِهُ لَهُ مِنْ قَبْلُ: لِصَوْتِهِ، لِضَحْكَتِهِ، لِتَفَاصِيلِهِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا يَرَاهَا أَحَدٌ غَيْرُهَا.
وَدُونَ أَنْ تَدْرِي، بَدَأَتْ تَرْبِطُ مِزَاجَهَا بِوُجُودِهِ؛ إِنِ اقْتَرَبَ هَدَأَ شَيْءٌ فِي دَاخِلِهَا، وَإِنِ ابْتَعَدَ تَوَتَّرَ كُلُّ شَيْءٍ دُونَ سَبَبٍ وَاضِحٍ.
كَانَ ذَلِكَ بَدَايَةَ التَّعَلُّقِ، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ ذَلِكَ بَعْدُ. كَانَتْ تَظُنُّ أَنَّهُ شَيْءٌ عَابِرٌ، مُجَرَّدُ إِعْجَابٍ خَفِيفٍ… سَيَمُرُّ.
لَكِنَّهُ لَمْ يَمُرَّ، بَلْ تَجَذَّرَ بِهُدُوءٍ وَبِمَهَارَةٍ خَفِيَّةٍ، حَتَّى أَصْبَحَ جُزْءًا مِنْهَا.
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ تُحَاوِلُ أَنْ تُقْنِعَ نَفْسَهَا أَنَّهُ لَا يَعْنِي شَيْئًا، كَانَ قَلْبُهَا يُكَذِّبُهَا بِخَفَقَةٍ وَاحِدَةٍ.
لَمْ تَعْتَرِفْ، لَا لِنَفْسِهَا وَلَا لِأَحَدٍ، كَانَتْ تَخَافُ مِنَ الكَلِمَةِ نَفْسِهَا: "تَعَلُّق".
لِأَنَّهَا فِي أَعْمَاقِهَا كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ المَشَاعِرِ لَا تَأْتِي دُونَ ثَمَنٍ.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لَمْ تُرِدْ أَنْ تَفْهَمَ، وَلَا أَنْ تُحَلِّلَ، وَلَا أَنْ تَحْذَرَ، فَقَطْ أَرَادَتْ أَنْ تَشْعُرَ.
وَهُنَا كَانَ الخَطَأُ الأَوَّلُ؛ لِأَنَّ القَلْبَ حِينَ يَبْدَأُ بِالشُّعُورِ دُونَ حُدُودٍ، لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَتَوَقَّفُ
مريم مريم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق