السبت، 4 أبريل 2026

سرّ خلف درج المكتب بقلم الأديبة الليبية القديرة خديجة رمضان عبد النبي // صالون الأدب الراقي للشاعر خالد الساسي

 

سرّ خلف درج المكتبة:-

في زاويةٍ لم يلتفت إليها أحد،كان هناك درجٌ صغير،لكنّه لم يكن صغيرًا في داخلي،بل كان بحجم كلّ ما لم أقله يومًا.
كنت أمرّ بجانبه كأنني لا أراه،فأبتسم للآخرين بثبات،
وأخفي في صدري،تعبًا لا يشبه ما يظهر على ملامح وجهي.
ذلك الدرج…
لم يكن مجرد مكانٍ للأوراق،بل كان يشبهني،حين أختار الصمت بدل البوح،وحين أُفضّل أن أبدو بخير،حتى لو لم أكن كذلك.
وفي ليلةٍ هادئة،حين خفّ ضجيج العالم من حولي،
وجدت نفسي أقترب منه دون أن أعرف لماذا …
كأن شيئًا في داخلي،كان يعرف الطريق قبلي.
سحبته ببطء،وما إن فُتح…
حتى تساقطت أشياء لم أكن مستعدة لرؤيتها:
أيامٌ ثقيلة،ورسائل لم تُرسل،وأحلامٌ تأجلت،حتى نسيتُ أنها كانت يومًا لي.
ثم توقّفت…
ليس لأنني ضعيفة،بل لأنني شعرت لأول مرة،أنني أواجه نفسي كما هي…
لا كما أريد أن أراها.
وبين تلك الفوضى الصغيرة،وجدت شيئًا مختلفًا…
لم أجد ألمًا فقط،بل وجدت تلك النسخة التي صبرت،والتي حاولت،والتي لم تستسلم رغم كل شيء.
وهناك…
بين ورقةٍ وأخرى،لم أعد أبحث عمّا فقدت،بل بدأت أرى ما تبقّى لدي.
وابتسمت …
بهدوءٍ يشبه بداية الفجر،وكأن شيئًا بداخلي،استيقظ أخيرًا بعد طول انتظار.
فجمعتُ الأوراق،ليس لأعيدها كما كانت،بل لأمنحها نهايةً تليق بها،
وأمنح نفسي البداية التي استحقها.
ثم أغلقتُ الدرج…
لكن هذه المرة،لم أعد أشعر أنني أغلق شيئًا،بل شعرت أنني أفتح طريقًا جديدًا.
ومنذ تلك اللحظة…
لم يعد ذلك المكان سرًّا يُخفيني،بل صار شاهدًا على أنني خرجتُ من عتمتي،أخفّ، وأصدق، وأقرب إلى نفسي.
وتعلّمت أيضًا أن الضوء لا يأتي ليُبدد كل شيء فجأة،بل يأتي خطوةً خطوة…
حين نسمح لأنفسنا أن نُشفى، ونغفر،وحين نؤمن أن الشيء الذي انكسر،لم ينتهِ، بل تغيّر.
واليوم…
حين أمرّ بجانب ذلك الدرج،لا أشعر بالخوف،بل أبتسم.
فقد صرتُ أفهم أخيرًا،أنني لا أبحث عن بداية جديدة…
بل اصبحت أعيشها كلّما اخترتُ أن أستمر.
ثم أغلقت ذلك الدرج أخيرًا…
ولكن هذه المرة لم أُغلق معه شيئًا مني،بل تركتُ خلفي كل ما أثقل روحي،ومضيتُ بخفّةٍ لم أعرفها من قبل.
فلم تعد الذكريات تُؤلمني كما كانت،بل صارت تُعلّمني كيف أكون أقوى،وكيف أحتفظ بما يُشبهني…
وأتخلّى عن الأشياء التي لا تشبهني.
والآن…
حين أفتح عيني على الحياة،أشعر أنني أبدأ من جديد،
ليس لأنني نسيت،بل لأنني تصالحتُ… وتغيّرت.
عندها فقط أشعر بوجود نورٌ هادئ،لا يصرخ،
ولكنه يكفي لأري نفسي بوضوح،وأمضي بثقةٍ لا تهتز.
وكل ما مضى…
أصبح مجرد طريقٍ أوصلني،إلى هذه النسخة التي صرت عليها.
والتي اختارت أن تعيش،وأن تُحب،وأن تُضيء رغم كل شيء.
وهكذا…
لم تكن النهاية نهايةً،
بل كانت بداية،تشبه نور الفجر حين يلمس القلب أول مرة…
فيُحييه من جديد.
بقلمي:- خديجة رمضان عبد النبي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق