لماذا اختفيت فجأة؟:-
هناك…
حيث تختلط الحقيقة بالوهم،وتتشابك الأصوات في داخلي حتى لا أعود أميّز بين ما كان منك وما كان مني…
كنتَ أنت.
لم أكن أدرك حينها بأن الغياب لا يبدأ حين يرحل صاحبه،بل قبل ذلك بكثير،حين تتراجع الروح دون أن ننتبه،وحين تتساقط التفاصيل الصغيرة،التي كنا نظن بأننا لن نفقدها أبدًا.
كنتَ هنا…
لكن شيئًا ما كان يتباعد بصمت،وكأن المسافة التي كانت بيننا تتشكل ببطء،دون أن أراها.
ثم…
اختفيت فجأة.
لا تفسير،ولا وداع،ولا حتى ظلّ يمرّ بجانبي، يُخبرني أنك كنت هنا يومًا.
فلماذا اختفيت فجأة؟
سؤالٌ لم يكن عابرًا،بل كان جرحًا يتجدد كلما حاولتُ أن أُغلقه.
لم أكن أبحث عن إجابة فحسب،بل كنت أبحث عن سببٍ يبرر هذا الفراغ الذي تركته خلفك.
هل كنتَ تهرب من شيءٍ داخلك…
أم كنتَ تبتعد عني بهدوءٍ حتى لا أراك تنكسر؟
وهل كان بقاؤك أصعب من رحيلك…
أم أنني كنتُ أطلب منك أكثر مما يمكنك أن تمنحني إياه؟
لم تكن الإجابات موجودة…
وكان عليّ أن أتعلم كيف أعيش مع السؤال.
ومع مرور الوقت،بدأتُ أرى ما لم أكن أراه من قبل:
أن بعض الأشخاص لا يختفون فجأة،بل يتلاشون ببطء شيئًا فشيئًا،حتى يصبح الغياب حقيقةً لا يمكن إنكارها.
وأن ما نسميه اختفاء،قد يكون في الحقيقة،نهايةً صامتة بدأت منذ زمن.
لكن ما لم أكن أتصورُه حينها…
أن اختفاءك لم يكن نهاية قصتي معك،بل بداية قصتي مع نفسي.
كنتُ أراك مرآتي،وأرى نفسي من خلالك،وأظن أن وجودي مرتبطٌ بوجودك.
لكن بعد رحيلك…
انكسرت المرآة،واضطررتُ أن أرى وجهي دون انعكاسك.
بدأتُ أتعلم كيف أكون أنا…
من دونك.
شيئًا فشيئًا،توقفتُ عن الانتظار.ولم أعد أراقب غيابك،ولم أعد أبحث عنك في كل شيء.
بدأتُ أبحث عني.
وهناك…
في تلك المسافة التي خلّفها غيابك،اكتشفتُ حقيقة لم أكن أجرؤ على الاعتراف بها:
أنني لم أكن ضائعة…
كنتُ فقط واقفة عند حدود لم تُكتب لي.
وأن ما ظننته فقدًا،كان في الحقيقة،بوابةً خفيةً نحو ذاتي.
ربما لن أعرف الجواب…
وربما لم يعد ذلك مهمًا.
فما أعرفه الآن هو الأهم:
أنك، رغم غيابك،كنتَ الدافع الذي أعادني إلي نفسي.
وأنني…
بعدك…
لم أعد تلك التي تنتظر أحدًا.
بل أصبحتُ…
أنا.
ومع كل ما مضى،لم يبقَ داخلي إلا شيء واحد وهو:
سلامٌ هادئ…
لا يشبه النسيان،بل يشبه القبول بالحقيقة.
قبول ما كان،
وما لم يكن،
وما لن يكون.
وسأمضي…
لا لأن النسيان سهل،بل لأنني أصبحتُ أقوى من أن أبقى حيث كنتُ.
سأحمل ما كان،وأترك ما لم يكن لي،
وسأفتح صفحة جديدة لا تشبه أحد …
ولكن تشبهني أنا.
فما عاد في قلبي فراغٌ ينتظر أحدًا،بل امتلاءٌ كفيلٌ بأن يكفيني
لأبدأ من جديد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق