ليان الفَصْلُ الثَّانِي: أَقْدَارٌ غَادِرَةٌ
لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ أَنَّ البِدَايَاتِ الجَمِيلَةَ قَدْ تَكُونُ أَخْطَرَ مَا فِي الحِكَايَةِ. كَانَ قَلْبُهَا خَفِيفًا بِشَكْلٍ يُؤْلِمُ، يَصْدُقُ بِسُرْعَةٍ وَيَتَعَلَّقُ بِأَقَلِّ القَلِيلِ، كَأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ بَعْدُ أَنَّ العَالَمَ لَا يُعْطِي شَيْئًا دُونَ مُقَابِلٍ قَاسٍ. لَمْ تَكُنْ تَبْحَثُ عَنْ حُبٍّ وَلَا عَنْ حِكَايَةٍ كَبِيرَةٍ تُرْوَى، فَقَطْ أَرَادَتْ أَنْ لَا تَكُونَ وَحْدَهَا.
ثُمَّ جَاءَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي لَمْ تَفْهَمْهُ فِي البِدَايَةِ: نَظَرَةٌ أَطْوَلُ مِنَ اللَّازِمِ، كَلِمَةٌ أَدْفَأُ مِمَّا اعْتَادَتْ، وَاهْتِمَامٌ صَغِيرٌ لَكِنَّهُ وَقَعَ فِي قَلْبٍ لَمْ يَعْرِفِ الِاكْتِفَاءَ. وَبِبُطْءٍ، شَيْئًا فَشَيْئًا، بَدَأَتْ تَتَعَلَّمُ كَيْفَ تَنْتَظِرُ: تَنْتَظِرُ كَلِمَةً، أَوْ نَظْرَةً، أَوْ حَتَّى صَمْتًا يَحْمِلُ مَعْنًى. كَانَ يَبْدُو عَادِيًّا لِكُلِّ مَنْ حَوْلَهَا، لَكِنَّهُ كَانَ شَيْئًا كَبِيرًا فِي دَاخِلِهَا.
لِأَنَّهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ شَعَرَتْ أَنَّهَا مَرْئِيَّةٌ، وَلِمُدَّةٍ قَصِيرَةٍ كَانَ ذَلِكَ كَافِيًا لِيُعِيدَ تَرْتِيبَ الفَوْضَى فِي قَلْبِهَا، وَيَجْعَلَهَا تُصَدِّقُ أَنَّ الأَشْيَاءَ قَدْ تَكُونُ أَلْطَفَ مِمَّا ظَنَّتْ. لَكِنَّ الأَقْدَارَ لَمْ تَكُنْ تَكْتُبُ قِصَّةً جَمِيلَةً، بَلْ كَانَتْ تُهَيِّئُهَا لِتَفْهَمَ شَيْئًا أَعْمَقَ: أَنَّ مَا يُعْطَى بِسُهُولَةٍ قَدْ يُؤْخَذُ بِقَسْوَةٍ أَكْبَرَ.
تَعَلَّقَتْ دُونَ أَنْ تَنْتَبِهَ، وَوَثِقَتْ دُونَ أَنْ تَسْأَلَ، وَحَلِمَتْ بِصَمْتٍ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَصْلًا. وَفِي أَعْمَاقِهَا كَانَ هُنَاكَ صَوْتٌ خَافِتٌ يُحَاوِلُ أَنْ يُحَذِّرَهَا، لَكِنَّهَا لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ اخْتَارَتْ أَلَّا تَسْمَعَ.
وَهُنَا بَدَأَتِ الخَيْبَةُ، لَيْسَ عِنْدَ النِّهَايَةِ، بَلْ فِي لَحْظَةِ التَّصْدِيقِ الأُولَى. لِأَنَّ أَقْسَى مَا فِي الأَقْدَارِ لَيْسَ مَا تَفْعَلُهُ بِنَا، بَلْ مَا تَجْعَلُنَا نُصَدِّقُهُ قَبْلَ أَنْ تَأْخُذَهُ مِنَّا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق