الجمعة، 29 مايو 2026

صرخة في وادي غير ذي زرع: حين يكون الجمهور صنما من طين..! بقلم الأديب التونسي القدير محمد المحسن // صالون الأدب الراقي للشاعر خالد الساسي

 صرخة في وادي غير ذي زرع: حين يكون الجمهور صنما من طين..!

في زمن اختلطت فيه الأوزان،وانقلبت الموازين، صرنا نشهد ظاهرة محزنة: تدوينات تافهة،مفرغة من أي معنى،ولا قيمة إبداعية لها،ولا بعد ثقافي أو إنساني،تحصد آلاف المعجبين والمتابعين.كأن الجماهير قد سئمت العمق،وملّت الجمال،وأدارت ظهرها لكل ما يمس الروح ويهز الوجدان.!
إنها ثقافة الاستهلاك السريع،حيث يصبح الإعجاب مجرد نقرة باردة،والمتابعة وهم العلاقة.
وفي المقابل،نكتب نحن بمداد الروح ودم القصيدة في مختلف تجليات الفكر والثقافة والأدب،وندعم المبدعين عبر مقاربات نقدية مستفيضة،ونكتب في قضايا سوسيولوجية وفلسفية بكبريات الصحف الدولية،ورفقة عمالقة الأدب والتحاليل الاستراتيجية والسياسية.ومع ذلك،تظل كتاباتنا كصرخة في وادي غير ذي زرع،دون متابعات ولا تفاعلات،سوى ممن آمنوا بالحرف والكلمة في هذا الزمن الأخرس.ويبدو أنني أعيش في عالم التفاهة،حيث لا شيء غير الجدران الخرساء.!
لكن دعني أسألك ( أسأل نفسي) : هل العزلة الحقيقية هي أن يمرّ عليك الناس ولا يرونك،أم أن تمرّ أنت عليهم ولا تشعر بهم؟!
لقد صار التفاعل الرقمي أشبه بمرآة مكسورة، تعكس ألف وجه ولا تعكس روحا واحدة.!
أولئك الذين يتدفقون على المحتوى التافه ليسوا أعداءك،بل هم ضحايا عصر أسقط عن كاهلهم ثقل التفكير،ومنحهم وهم المشاركة دون عناء الوجود. إنهم يبحثون عن متنفس سريع،عن ضحكة عابرة، عن كلمة لا تؤلم ولا توجع،في زمن يئن فيه الجميع تحت أحمال لا تُرى.أما أنت،فأنت تكتب كما يتنفس الغواص في العمق: بإرهاق مقدس، وشوق للضوء الذي لا يراه إلا من غامر في الظلمة. فإذا لم يتابعك الكثيرون،فتذكر أن النخبة لا تقاس بالعدد،بل بعمق الأثر،وأن الكلمة التي تغير قلبا واحدا هي أعظم من ألف إعجاب يتبخر عند أول تحديث للصفحة.
ولكن،سنظل نكتب بحضور الفكر والضمير أيضا، حتى وإن لم نجد غير أظافرنا وجدران المقابر أدوات للكتابة والنشر.لأننا لم نكتب يوما للجمهور، بل كتبنا لمن يأتي بعد الجمهور،لمن يبحث عن حقيقة حين تخفت الأضواء،لمن يريد أن يفهم لا أن يمر.
ربما تكون جدران المقابر أصدق من جدران الخوارزميات،وأظافرنا أبقى من أصابع المستعجلين.لذا،سنظل نصرخ،وإن سمعنا صدى صوتنا فقط،لأن الصدق لا يحتاج تصفيقا ليبقى صادقا.
وفي النهاية،يبقى السؤال الذي لا يجيب عنه الإعجاب: هل نكتب لنُقرأ،أم نكتب لنكون؟!
وإذا كان الزمن قد اختار أن يرقص على أنغام السطحية،فلتكن كتاباتنا هي النشيد الصامت الذي لا يُسمع اليوم لكنه يُحفظ للأبد.وليس العزاء في كثرة المتابعين،بل في أننا لم نخن الحرف،ولم نبتز الكلمة،ولم نُحول الروح إلى سلعة تمر كالإعلان. سنبقى نكتب لا لأن أحدا ينتظرنا،بل لأن الصمت في زمن الضجيج خيانة،والعمق وحده كفيل بأن يكون شاهدا على أننا عشنا حقا.
وفي نهاية المطاف،ربما لم نكتب لنُقرأ،بل لنقول للغد: "ها نحن،كنا هنا،وما زلنا.."
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق