طموح يعانق نجما وراء القمر: قراءة في قصيدة الشاعر التونسي السامق خالد الساسي " طموح عربي"
-إننا أمَّةٌ لو جهنّم صُبَّت على رأسِها واقفة../ما حنى الدهرُ قامتَها أبداً/إنما تنحني لتُعينَ المقاديرَ إن سقطت أن تقومَ/تتمُّ مهمّاتِها الهادفة..( مظفر النواب)
إنّ الشعر ليس مجرد كلمات تتراصف على سلّم القوافي،بل هو نبض الضمير الجمعي،ومرآة الأمة تعكس آلامها وآمالها،ووثيقة وجودها النابض بالحياة.وفي زمن تكاثرت فيه الأزمات،وترنحت فيه الأحلام بين جبروت الواقع وخذلان الإرادات، تظلّ القصيدة الموحية كالنخلة في الصحراء، تعطي الظل والتمر على طريق طويل من الرمضاء. ومن هذا المنطلق،نقف اليوم متأملين ومُعْلنين الإعجاب أمام واحدة من أروع القصائد التي حملت همّ النهضة والكرامة الإنسانية،إنها قصيدة "طموح عربي" لشاعرنا التونسي الكبير الأستاذ خالد الساسي،الذي استطاع بحرفيته العالية وعمقه الفلسفي أن يصوغ من الحرف سيفا ومحرابا،وأن يجعل من الطموح قضية وجود،لا ترفا فكريا ولا شعارا عابرا.
فهذه القصيدة ليست مجرد نصوص تُتلى،إنها بيان أخلاقي،ووثيقة سياسية روحية،ونبض عروبي أصيل،يخرج من أعماق شاعر تونسي تأثر بتاريخ أمته المجيد وتطلع إلى مستقبلها المنشود.
إن الشاعر السامق خالد الساسي،بهذا العمل،لم يكتب لذاته،بل كتب لأمته،وأهدى قصيدته إلى كل عربي حُرّ،يعرف أن الحياة بلا طموح كالجسد بلا روح،وأن العيش الكريم لا يتحقق إلا بفكرة تسمو على التراب،وهمّة تعانق السماء.
سنقرأ اليوم هذه القصيدة قراءة تعبيرية عميقة، نتلمس فيها معاني العزة والعدل ومحاسبة الحاكم والناهض على حد سواء،ونتوقف عند كل صورة شعرية لنستخرج كنوزها الدلالية.
طموح عربي
طمحت وأطمح طول العمرْ
بعيش كريم لكل البشرْ
فما قيمة العيش دون طموح
يعانق نجما وراء القمرْ
فبالأمنيات نعلّي الصّروح
ويسهل كلّ الصّعيب العسرْ
جميع المزايا بدت بالطّموح
وقد باركتها أيادي القدر
طموحي يسود الحياة السّلام
فلن يلحق الناس أي ضررْ
طموحي تضامن كل العرب
وحكّامهم عدلهم ينتشرْ
يراعون في الله حقّ العباد
كما كان بالأمس عدل عُمَْرْ
وياويح من ملكته الشّرور
وحام بآتونها المستعر
فيجني الذنوب وخزيا وعارا
ويوم الحساب بنار سقرْ
فبئس الكراسي وبئس المناصب
إذا ما الزعيم توخّى الحذرْ
وبئسا لإنسان دوما يؤوسا
قنوعا ويتبع مثل البقرْ
فما العمر إلاّ اجتهاد وحلم
يعلّي الطَّموح لأعلى السُّررْ
(خالد الساسي)
المقطع الأول: الطموح المستمر والكرامة الإنسانية
يبدأ الشاعر بعنفوان المؤمن بقضيته: "طمحت وأطمح طول العمر / بعيش كريم لكل البشر". إن تكرار فعل "طمحت وأطمح" بإسناده إلى زمنين (الماضي والحاضر) ويمتد بـ"طول العمر" ليؤكد أن الطموح ليس حالة لحظية،بل سيرة حياة مستمرة، وليس أنانية فردية،بل مشروع إنساني شامل "لكل البشر".ثم يطرح الشاعر سؤالا وجوديا جوهريا: "فما قيمة العيش دون طموح / يعانق نجما وراء القمر".هنا،يرتقي بالطموح إلى مصاف الخيال المُبدع،حيث النجوم التي تطالها الأيادي ليست كافية،بل لا بد من طموح يعانق ما وراء القمر،أي المطلق والمستحيل الممكن بالإرادة.والصور الشعرية هنا متدفقة: "بالأمنيات نعلّي الصروح" فالصروح العظيمة ليست من حجر فقط،بل هي أمنيات متحولة إلى واقع،و"يسهل كل الصعيب العسر"؛ إنه قانون الجهد والنفس المطمئنة.ويختم هذا المقطع بتأكيد إلهي: "جميع المزايا بدت بالطموح / وقد باركتها أيادي القدر"،فالطموح هو مفتاح بركة السماء والأرض معا.
المقطع الثاني: الطموح السلمي والعدالة العربية،
ينتقل الشاعر من الطموح الفردي إلى الطموح الجمعي،فيحدد غاية نبيلة: "طموحي يسود الحياة السلام / فلن يلحق الناس أي ضرر". إنه طموح سلام لا حرب،بناء لا هدم.لكن هذا السلام لا يتحقق في فراغ،بل عبر مشروع عروبي واضح ومحدد: "طموحي تضامن كل العرب / وحكامهم عدلهم ينتشر". هنا يعلن الشاعر موقفه السياسي الواعي: أن الحل هو في التضامن العربي الجامع والعدالة النابعة من الحكام.ثم يستدعي الشاعر أسمى نموذج في تاريخ العدالة الإسلامية والإنسانية: "يراعون في الله حق العباد / كما كان بالأمس عدل عُمَرْ". إن استحضار شخصية الخليفة الراشد عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-في قصيدة عربية معاصرة هو إعلان عن مرجعية أخلاقية وحضارية،وإشارة إلى أن العدالة ليست مستحيلة، بل كانت واقعا تاريخيا يمكن استعادته.
المقطع الثالث: الوعيد للظالم والمستبد
بعد رسم صورة المثَل الأعلى للعدالة،يلتفت الشاعر بغضبة نبي إلى الجانب المظلم،حيث الحكام الذين انحرفوا عن الجادة: "ويا ويح من ملكته الشرور / وحام بآتونها المستعر"، إنه دعاء وعيد وتهديد. "فيجني الذنوب وخزيا وعارا / ويوم الحساب بنار سقر".هنا يرتقي النقد السياسي إلى مستوى النقد الديني والأخروي،حيث ينتظر الظالم عذابا مزدوجا: عار الدنيا وخزيها،ونار الآخرة.ويكمل الشاعر نقده اللاذع للمناصب والكراسي إذا تحولت إلى أوكار للحذر والخوف لا مواقع للبناء: "فبئس الكراسي وبئس المناصب / إذا ما الزعيم توخى الحذر". فالزعيم الحقيقي هو الذي يخاطر ويثور ويقدم مصلحة الأمة على سلامته الشخصية.
المقطع الرابع: ذم القناعة السلبية وحث على الاجتهاد
لا يقتصر نقد الشاعر على الحكام المستبدين،بل يمتد إلى الرعية الخاملة،فيوجه سهام نقده لمن يؤثرون القعود ويسمونه "قناعة": "وبئسا لإنسان دوما يؤوسا / قنوعا ويتبع مثل البقر".إنها صورة قاسية لكنها صادقة،للمستسلم اليائس الذي قنع بالذل،فحوله تشبيهه إلى بهيمة تساق.وهنا تتجلى عبقريّة الشاعر في معالجة المرض من جذريه: الاستبداد من فوق،والاستسلام من تحت.ثم يختم هذا المقطع بتأكيد أن العمر الحقيقي ليس عدد سنوات،بل حصيلة "اجتهاد وحلم"، وهما وجهان لعملة واحدة: الاجتهاد دون حلم قسوة،والحلم دون اجتهاد وهم.
والخلاصة: أن الطموح هو ما يرفع الإنسان إلى أرفع المراتب: "يعلّي الطموح لأعلى السُرر".
في نهاية هذه الوقفة المتأملة مع قصيدة "طموح عربي" للشاعر التونسي الكبير خالد الساسي، نخرج وقد امتلأت صدورنا بنسمات الأمل،واتقدت في قلوبنا جذوة الإرادة.إنها قصيدة كتبت بمداد النخوة والعروبة،وصيغت بنار الألم وأجنحة الحلم. والشاعر خالد الساسي لم يقدم لنا قصيدة جميلة فقط،بل قدّم لنا "منهاج حياة"،ووثيقة أخلاق، ودستورا للنهضة من الداخل إلى الخارج.إنه يذكر الحكام بواجباتهم،والشعوب بمسؤولياتها،ويجعل من "العدل العمري" حلما ممكنا، ومن "السلام الكريم" غاية لا محيد عنها.
إن هذه القصيدة ليست للقراءة فقط،بل للعيش بها والقتال من أجلها.فتحية إجلال وإكبار وتقدير للشاعر التونسي القدير الأستاذ خالد الساسي،هذا الفارس الذي امتطى صهوة الكلمة،فحلّق بها في سماء المعاني،وأودعها روح تونس الشامخة وعروبة الأمس الواعد.ليبقى شعره نبراسا يضيء دروب التعب،وليبقي طموحه مدادا يكتب على جدران الزمن: نحن أمة لا تعرف المستحيل، ومستقبلها ما زال في عناقيد النار.فشكرا له على هذا العطاء،وشكرا للكلمة العربية التي تنتفض حين يُظن بها الموت،فتثبت أنها باقية ما بقي طموح عربي يخفق في الوريد.
وهكذا،يبقى "طموح عربي" لخالد الساسي أكثر من قصيدة،إنه وصية مضيئة في جبّ الزمن، ونبض لا يهدأ يذكّرنا أن المجد لا يُورث ولا يُستجدى،بل يُبنى بملح الأرض ودماء الأمل.فكلما تاه بنا الواقع،عدنا إلى هذه الكلمات فإذا فيها بوصلة النهضة ودفء الكرامة.فلنحمل هذا الطموح كما حملَه الشاعر: سيفا لمحاربة اليأس،ومحرابا للصلاة في محراب الغد الأجمل.
وعاشت الكلمة العربية التي ذُبحَت وجنّت وجاعت..ولم تنتحر بعد..

.jpeg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق