الروائية :صليحة جابي (سالي)
*القهوة والإنسان: خيانة اللون الواحد*
القهوة وقفت على الحياد من البداية. لونها واحد، رائحتها لا تعرف التلون، ومرارتها لا تتعلم المجاملة. أنت تعطيها الماء والنار، فترد عليك بنفسها. لا تزين لك الوجه الآخر، ولا تذكرك البارحة لتسترضيك اليوم.
البشر يغيرون مواقفهم مع تغير المصالح. القهوة تغلي وتفور، لكنها لا تتبدل في جوهرها. مرة، مركزة، واضحة. لا تقول ما تظن أنك تريد سماعه.
الإنسان يغيب بعذر وبلا عذر. ينسى، ينشغل، ينكر. القهوة إن غابت فأنت من أطفأ النار تحتها. وجودها متعلق بفعلك، لا بمزاجها. لذلك لا تخذلك فجأة.
لا تبتسم لك وأنت سيء المزاج لتكسب ودك، ولا تتجاهل يدك التي قدمتها لها. كل رشفة تعيدك لنفس النقطة: هنا، الآن، بلا دين قديم يُطالب به
نحن نخاف الوضوح لأن الوضوح يكشفنا. لذلل أحبنا القهوة. هي المرآة التي لا تكذب. تقول لك: أنا كما أنا، خذني أو اتركني. لا أرتدي قناع الصباح، ولا أخلعه في الليل.
البشر يبنون العلاقات على الذاكرة الانتقائية، يتذكرون لك ما يفيد، وينسون ما يلزمهم. القهوة لا تملك ذاكرة، لذلك لا تملك حقداً. ما أعطيتها اليوم تأخذه كاملاً، بلا فوائد متأخرة ولا منّ.
ربما لذلك نشربها في الصمت. لأننا أمامها لسنا مضطرين للتمثيل. هي لا تسأل لماذا تأخرت، ولا لماذا تغيرت نبرتك. فقط تنتظر أن تقترب، فتقترب أنت من نفسك.
أنا اليوم كتبت عن القهوة لأنها صديق خسرته من كثرة ما رأيت من البشر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق