الأربعاء، 27 مايو 2026

قراءة تحليلية بقلم الأديب والناقد التونسي القدير محمد المحسن لقصيدة الشاعر التونسي .. سِفْر الكفاح .. صالون الأدب الراقي للشاعر خالد الساسي

 سِفْرُ الكِفَاح":

قراءة في ملحمة الجبين المتألق..حين يصنع الشاعر التونسي القدير خالد الساسي من العرق إكليلا..
ليس عيد الشغل،في جوهره العميق،احتفالا بورقة تقويمية تتكرر،ولا وقفة طقسية تستحضر الماضي بغبار الذاكرة.إنه لحظة اعترافٍ كوني بأن الحضارة تُنسج من خيوط العرق،وأن المجد لا يُولد في قاعات الراحات،بل على أكتاف متصلبة تحت وطأة البناء.
وفي هذا السياق،يأتي الشاعر التونسي السامق أ-خالد الساسي ليصنع من حروفه معمارا شعريا لا يقل صلابة عن أطول الصروح.
إن قصيدته "سِفْرُ الكِفَاح"ليست مجرد كلمات موزونة،بل هي ملحمةٌ مصغرة،ونبضٌ احتفائي يمتد في جذور الأرض قبل أن يعلو إلى هام النجوم.
وشاعرنا خالد الساسي،الذي امتلك ناصية اللغة وأبحر في عُمق القيم الإنسانية،يقدّم هنا نموذجا راقيا للشعر العمودي الذي يكسر جموده،فيجعل من الكامل إيقاعا نابضا بالحياة.
إنه يرتقي بالعمال إلى مصاف "أعمدة الأرض" و"بناة الحضارة"،مجاوزا النظرة الوظيفية الضيقة إلى رؤية قدسية للعمل كفعل وجودي...فلنقف إذن أمام هذا النص الوهّاج،متأملين كيف حوّل الساسي قسوة الصخر إلى أنغام،وكيف جعل من عرق الجبين شرابا يُروي ظمأ الأمة.
تابعوا معي هذا العزف على أوتار الوجدان:
سِفْرُ الكِفَاح
بُورِكتَ يا رمزَ العطاءِ نضالا
وبنيتَ من صبرِ اليقينِ جبالا
يا مَن نحتَّ من الصخورِ حضارةً
وجعلتَ من عرقِ الجبينِ زلالا
لولا سواعدُكم لما ارتفعَ البِنا
ولما رأينا للشموخِ مثالا
أنتم عمادُ الأرضِ في دورانِها
والباذلونَ لكي ننالَ منالا
في عيدِكم يقفُ الزمانُ مبجِّلاً
ويصوغُ من نورِ الوفاءِ جلالا
صونوا الأمانةَ فالبلادُ بسعيِكم
تطوي المدى وتحقّقُ الآمالا
إنَّ الكفاحَ شريعةٌ للمَاجِدِ
لا يرتضي غيرَ العُلا سربالا
فاسلمْ فما كلّت يداكَ عن البِنا
وبقيتَ للصبرِ الأبيِّ خيالا
فخذِ التحيةَ من فؤادٍ صادقٍ
أولاكَ من فيضِ الوفاءِ سؤالا
يا مَن بنيتَ المجدَ صرحاً خالداً
ورفعتَ في هامِ النجومِ جلالا
بعد هذا الطوفان الشعري الذي تغسل أبياته غبار الإرهاق عن جباه الكادحين، نخرج من "سِفْر الكِفاح" وقد غيّرت القصيدة فينا شيئًا. لقد نجح خالد الساسي في أن يكون شاعرًا للجوهر قبل أن يكون شاعرًا للمناسبة. وهو لم يقل "عيد شغل" كحدث، بل قال "عيد الشغل" كنظام وجودي وأخلاقي.
إنها قصيدة تُذكّر أولئك الذين تدهورت أحوالهم، أو تعبوا من دروب الكفاح،بأن اليد التي تمسك بالفأس أو القلم أو المجرفة هي نفسها اليد التي تُمسك المجد. وفي زمن يبحث فيه الكثيرون عن حلول سريعة،يأتي الساسي ليعلن أن "الكفاحَ شريعةٌ للماجدِ"،وكأنه يكتب وصية شعرية لكل من يظن أن الراحة هي الهدف.وأجمل ما في هذه القصيدة أنها تبدأ بـ"بوركت" وتنتهي بـ"رفعتَ في هام النجوم جلالا"، وكأنها طقس تكريسي يُخرج الإنسان العامل من هامش النسيان إلى مركز الخلود.
إنها تحية من شاعر أيقن أن البناء الحقيقي لا يُصنع بالخرسانة فقط،بل بالصدق،والصبر، وبكلمات تُخلّد من يستحقون التخليد.فلتقرأ هذه القصيدة الشامخة على مسمع من كل متعب،لأنها بلسم،ولأنها-في زمن التدهور-شهادة أن الجمال ما زال ممكنا،وأن المجد التونسي يُكتب بسواعد لا تعرف اليأس.
وفي الختام،لا يسعنا إلا أن نستشهد بأبيات خالدة من تراثنا الشعري التي تتناغم مع روح "سِفْر الكِفاح":
يقول الشاعر أبو تمام في وصف قيمة الكفاح والعمل:
والسيفُ يصدقُنا عن أنفسٍ ونرى
تلكَ السيوفُ إذا ما صِدْنَ أمْضِينا
والعزُّ ما كُلَّتْ عن الطعنِ اليدُ
ولا رفعتْ راياتُه إلا يدُ العاملِ
ويقول الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي،
منسجمًا مع روح النضال والبناء:
إِذا الشَعْبُ يَوماً أرادَ الحَياةْ
فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القَدَرْ
ولا بُدَّ لِلَّيْلِ أنْ يَنجَلِي
ولا بُدَّ لِلْقَيْدِ أنْ يَنْكَسِرْ
وهكذا تتسلسل الأبيات عبر الزمن،ليؤكد الساسي بقصائده أنه امتداد لهذا النهج النضالي الذي يقدّس العمل ويخلد الكادحين،فجاءت "سِفْر الكفاح" نبراسا في سماء الشعر التونسي والعربي، تضيء لعمال الأرض طريق المجد الذي لا يُنال إلا بالعرق والإباء.
وهكذا،تظل قصيدة "سِفر الكفاح" لخالد الساسي أكثر من قصيدة،إنها وثيقة وفاء ناطقة،ونافذة مشرعة على ضوء لا يخبو.فيها يتحول عرق الجبين إلى قصيدة،وتصير السواعد قافية،وتصبح الأرضُ-بمن عليها من كادحين صامدين-أقدس دواوين الشعر.فلكلّ من شق طريقه على ظهر التعب،لكل من لم يجد في جعبته سوى الأمل والصبر: هذا النص لكم،وهذا الإكليل من حروفه على جباهكم المتألقة أبدا.
محمد المحسن


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق