يوم التَّرْوِيَة: تهيئة القلب قبل خطو الجسد
مع بزوغ الثامن من ذي الحِجَّة يفتح الحج بابه الأول على محطةٍ صامتة تُسمّى يوم التَّرْوِيَة. هي ليست مجرد تاريخٍ على التقويم، بل وقفةٌ يتزوّد فيها الحاج بزادٍ أخف وزناً وأعمق أثراً من الماء والطعام.
في الأيام الخالية كان الحُجّاج يجمعون ماءهم لهذا اليوم استعداداً لما بعده، حين يشتد السير ويقل المورد. لكن التزوّد الحقي لم يتوقف عند القِرب، بل تعدّاه إلى إرواء النيّة وتصفية القصد.
فقبل أن يتحرّك البدن نحو عرفة، لا بد أن يتحرّك القلب نحو الله بلا تشويش ولا تردّد. ومن هنا يصبح هذا اليوم مِرآةً داخلية. في صمت مِنى يجد المرء فرصة لمراجعة نفسه: لماذا جئت؟ وما الذي تطلبه روحك من هذا السعي؟
فالعبادة لا تكتمل بطوافٍ ولا وقوفٍ إن خلت من الصدق والإخلاص، ولا يستقيم السير إن سبقته عجلة بلا وعي. ولأن المشقة قادمة، كان لا بد من قلبٍ متماسك يحتملها.
فالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، وأيام مِنى تحتاج إلى روحٍ موصولة بالله، لا يشتّتها التعب ولا تُضعفها الغفلة. وعليه فإن هذا اليوم مدرسةٌ مختصرة في الصبر واليقين، يتعلّم فيها المؤمن أن الاستعداد للطاعة عبادةٌ في ذاته.
إن رُوِيَت الروح بالذكر والمحاسبة قبل الوقوف، وجدت في عرفة ما يملؤها سكينةً وطمأنينة. أما من جاءها بقلبٍ غافل، فقَلَّ أن يعود منها بزادٍ جديد.
ولهذا كان هذا اليوم مفتاحاً لما بعده، وبدايةً لمعنى العودة إلى الأصل. فلنحسن تهيئة قلوبنا قبل أن نطلب القبول. فالحج المبرور لا يولد صدفة، بل يبدأ من لحظةٍ صادقةٍ في يومٍ هادئٍ اسمه التَّرْوِيَة.
بقلم: أنغام الهادي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق