بقلم الكاتبة نجمة عمر علي كراتة تونس
على حد السكين --6____
كلما مرّ أمامي مقطع من ندوةٍ تُقام باسم
“أنماط الكتابة في تونس”، يحدث في داخلي ارتباك صغير يشبه الركض نحو الضوء. أمدّ يدي إلى الهاتف، أبحث عن المبدع أو المبدعة التي تشتعل في الندوة، أرسل طلب صداقةٍ صادقًا كأنه اعتراف متأخر بوجوده… ثم أكتشف أن الاسم ذاته يسكن قائمتي منذ زمن بعيد.
فأصمت...
وأقف على حد السكين...
وأتساءل : هل مروا يوما على نص واحد من نصوصي؟
لكن هذا الصمت ليس حيادًا، وإنما بداية انكشاف...وتحرر..
ويزورني التفاؤل فجأة عندما أرى صديقا أو صديقة هناك فأركض مرة أخرى ببراءة وأقول :
مرحبا..السلام عليكم ...
وأنتظر...
وأنتظر ليس توسلا أو مهانة وإنما بنية سليمة ..
صفاء نيتي يجعلني بريئة وكأنني أنزف حنينا للأغلفة والألوان والتصفيق ...كطفلة تنبهر بزينة الأعياد ...
ثم أستفيق من الوهم والسراب وأصفع وجهي لأنهض قوية
بلا اعتماد ولا تواكل على الغير وأتوكل على الله وحده.
وأبتسم....
لأكتشف معادن بعض الأصدقاء و شبه الصديقات ...
كنت أسارع للحظر ثم قررت ألا أهتم مجددا بالأمر...
كنت أبكي والآن قررت ألا أبكي...
قررت أن أكتب أكثر صدقا وأكثر جرأة بأسلوب ماجد وملتزم بلا توقف....
وصفني مرة أحد النقاد بالكاتبة الماجدة وقال أنه يراني أشبه "ماجدة الرومي" الفنانة العزيزة كثيرا في قدرتها على تبني المشاعر بأسلوب أنيق ومحترم دون اعتماد الفوضى في الجرأة المبتذلة والرخيصة.
فأحببت جدا ذلك الوصف...
وصفني صديق الطفولة بالمغرورة مرة مبتسما
فقلت أن غروري مشروع مبتسمة..
ابتسمنا ولم يغضب أحد من الآخر لأن الصداقة الطاهرة
كنز لا يفنى ورصيدنا في هذه الحياة الفانية ..
صديق الطفولة يكتب ببراعة ولكن ليس ببراعتي
(أمزح)
"سأمشي مع الرياح كما أشتهي وليس كما هي تشتهي."
نجمة كراتة
كان طموحي منابرهم ( للأسف) والآن أصبح هدفي الغياب عنهم..( الحمد لله).
التعفف عن التواجد بين كل تلك الصور الفوتغرافية التي تخفي كواليسا وأسرارا بشعة... ومذلة مقنعة .
(حاشى الشرفاء الحقيقيين).
لم يعد يهمني أمر الظهور وراء طاولة خشبية بغطاء بلاستيكي وفوقها قارورة ماء معدنية و قد تغيب الكؤوس أحيانا...
قلت مرة في نفسي متسائلة:
لماذا يحضر المصفقون الصامتون ولا يوزعون عليهم قوارير الماء ؟
ويبقى الماء رمزا لحسن التنظيم فقط ....
يقاس حسن التنظيم بتوفر قارورة ماء وكوب عصير وصحن حلويات والتقاط صورة...ويغيب عن المكان الكثيرون .
الجمهور المدمن على نفس الوجوه جمهور يحتاج علاجا نفسيا حقيقيا.
يجلسون فوق كرسي لينتظروا الوجه الجديد الذي سيصبح مسمارا مدقوقا بلا حراك...وما إن يجلس الجديد حتى ينسى فضل الآخرين عليه ويتجند ليبقى وحده وسط سوق الثقافة .
واكتشفت أمرا أربكني وفاجأني وهو أن النقاد في تونس ينقدون بالأجر ويقدمون الكتاب بالأجر ويصممون غلافا بالأجر ويدققون لغويا بالأجر ويجلسون فوق الكرسي وقت الندوات بالأجر ويكتبون المقالات بالأجر وينشرون في كل مجلة الكترونية وورقية بالأجر ...
فهل في وطنكم أيضا هكذا هو الأمر ..؟
أم هم يقبضون المال فقط أبيع أوطانهم؟
يا وطني لقد قدمت كل شيء مجانا ولم أندم ..
ومازلت سأقدم الجمال للعالم مجانا ولن أندم..
شاهدت البارحة فلما من صناعة أمريكية عن دخول أمريكا للتراب الليبي عنوانه 13hours....لقد أبدعوا في تصوير حقيقة من يبيع أرضه لمغتصبي القدس وأبدعوا في تصوير
انتصار أصحاب الأرض ...الفلم كان محايدا وصادما جدا
أنصحكم بمشاهدته.
ولكن....ولكن،
كنت مرة مدعوة في منبر ثقافي على أساس أنني عراقية الجنسية وكان الأمر طريفا
يعني ظنت الصديقة أنني عراقية ولست تونسية ولما سألتها عن سبب ذلك قالت لأن كتاباتك عن القضايا العربية أوحت لها بذلك.
ففرحت وابتسمت للأمل...يعني أن القلم من يرسم الهوية
وذلك فخر عظيم ..
وتصلني رسائل كثيرة تسألني عن حال فلسطين وذلك فخر
وانتصاري.
حتى عنوان فينوس قرطاج لم يكن ناجعا ليدركوا أنني تونسية .
أصبحت فعلا بارعة في التجاهل لكل شيء...
كنت البريئة بين الجميع ..كنت مازلت بثوب ليلى الأحمر والكل يرتدي جلد الذئب والعطر نفاق ومصالح.
المفجع في القصة برمتها أن البعض يعتبرك______________
لنعتبر أن القصة مفهومة ونمر ..ليس الأمر مهما..
وكل إناء ينضح بما فيه وذلك الأهم.
شيئًا فشيئًا، يتضح لي أن المشهد الثقافي ليس كما يُعرض على المنصات. هناك طبقات غير مرئية تحكم الظهور والغياب، أسماء تُستدعى وأخرى تُترك كأنها لم تُخلق أصلًا. وبين الحضور من يعرف جيدًا أن عليه أن يذكر اسمًا محددًا، اسمًا يستحق الضوء، لكنه يبتلع الكلمة، كأنه يخشى أن يخلخل نظامًا كاملًا بالصوت.
وأتساءل: من الذي يدير هذا المشهد؟
من يوزّع الاعتراف كما لو كان امتيازًا لا حقًا؟
نطرق الأبواب الصحيحة، نظن أن الوصول مسألة جدارة، ثم نكتشف أن بعض الأبواب لا تُفتح بالمحاولة وحدها، وإنما بشبكة غير معلنة من الإشارات والوساطات والصمت المتواطئ.
من الذي لم يحمل الأمانة؟
أم أن الأمانة نفسها أُعيد تعريفها بما يناسب البقاء لا الحقيقة؟
هل يدرك كل إنسان معنى الأمانة الفكرية والأخلاق الأدبية؟
أسئلة تتكاثر في داخلي كسؤال شرعيٍّ… وسلاحٍ ذو حدّين:
هل بصدقي أتحول إلى خصم؟
هل بكلامي أصنع أعداء ؟
أم أن مجاراة هذا الصمت تجعلني جزءًا من قناعٍ لا يشبهني؟
هل الخوف من انزلاق البساط من تحت الأقدام مبررٌ كافٍ لخلق هذا التواطؤ الناعم، وهذه الاستمرارية المقلقة التي تُبقي الصوت الناشئ في حالة انتظار دائم، كأنه لا يستحق الحضور إلا مؤجلًا؟
هل علينا أن ننتظر الغياب الكامل، كي يُعترف بالوجود؟
ثم يظل السؤال الأكثر عريًا من كل الإجابات:
من نحن؟
وأين نحن؟
ومن هم ؟
من هم الذين يملكون الضوء وحدهم، ولماذا يبدو كأن الضوء خُلق لأسمائهم فقط؟
وهل كان في زمن الإبداع الذي نشأنا فيه نفس هذه الشروط
التي تراها اليوم؟
الجواب في حد ذاته فزع ويمثل فاجعة لأن الأحوبة بعد انتهاء الحروب تغير ترتيب كل شيء ...
أظن ..وإنما أنا متأكدة أن الشعوب وحدها من تصنع التاريخ
والجمهور الغبي وحده من يصنع المشاهير .
أما ختاما ، مازلت عالقة في زمن جميل فيه الصداقة كنز لا يفنى ..زمن فيه الصداقة نقية بنقاء الورد والعالم من حولي تغير فوجدت نفسي الغريبة عن كل شيء....
حتى فلسطين مازال حبها في قلبي حبا سكن قلب طفلة لم تكبر والكل من حولها يكبرون و يصنعون الحروب .
لم أعد أتأسف كما كنت أفعل بلوم وحزن ولم أعد أكتب كلمة آسفة وتعلمت كتابة شكرا على كل شيء منذ وقت ..قبل انتشار ثقافة الشكر والتخلي عن ثقافة الاعتذار...
شكرا لكل الوقت الذي نحت مني هذه النسخة الجديدة التي تكتب لا لتنجو من ألم وإنما لتحيا على أمل.
شكرا لوقتكم الثمين وشكرا لاستماعكم وشكرا لانتظاركم
وشكرا لأنكم تقرؤون وشكرا لصبركم على نصوصي الطويل
وشكرا لأنكم هنا أيها الأصدقاء الأوفياء.
لا بأس يا نجمتي لا بأس .
لا بأس علينا.
تونسفلسطين

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق